قمة شنغهاي: العالم تغير وليس "يتغير" - نقاط على الحروف - ناصر قنديل
البناء 4-9-2025
قمة شنغهاي: العالم تغير وليس "يتغير".
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
قد يشعر الذين يعتقدون بعصر أميركي لا نهاية له، ربما لأنهم يتمنون ذلك بعدما ربطوا مصائرهم بهذا الوهم، أن الحديث عن تغيير القواعد التي كانت حتى زمن قريب تحكم العالم، هو مجرد خيال أو رغبات، لكن ماذا عن مسارعة اميركا الى الخروج من حرب اوكرانيا التي باتت محسومة لصالح روسيا، بعدما انفقت عليها اميركا قرابة تريليون دولار، وأنفقت أوروبا مثله، وفشل كل ذلك بخلق توازن مع روسيا عسكريا، بينما فشلت العقوبات في دفع النظام الاقتصادي والمالي في روسيا للانهيار التي نجحت بتحويل هذا التحدي الى فرصة، وصارت روسيا بفضل كل ذلك، التراجع الأميركي والتعافي المالي والاقتصادي وربح الحرب، على عتبة التحكم بمستقبل أوروبا، وماذا عن الأرقام الاقتصادية التي تقول إن مساهمة الصين في الصناعة العالمية هي ضعف المساهمة الأميركية التي كانت مع نهاية الحرب الباردة خمسة أضعاف مساهمة الصين، وماذا عن تحول الصين الى شريك تجاري اول لكل دول العالم ال170 بما فيها أميركا، بينما تراجع أميركا لتصبح شريكا تجاريا أولا لسبعين دولة فقط، وماذا عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والفشل في الحصول على توقيع إيران بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم، والفشل في إسقاط النظام، والفشل في اضعاف قدرات إيران الصاروخية التي فرضت طلبا اسرائيليا لوقف النار حماته اميركا بواسطة قطر الى ايران؟
يكفي تعليق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على قمة شنغهاي ومشهد الصورة الثلاثية التي جمعت زعماء الصين وروسيا وكوريا الشمالية، شي جين بينغ وفلاديمير بوتين وكيم جونغ أون، وكلامه الغاضب الموجه للرئيس الصيني، بينما تتآمرون على أميركا، للتساؤل هل هذه هي أميركا التي تحكم العالم وتديره، ويكفي أيضا أن ننظر الى درجة تماسك حلف شنغهاي وتغل اطرافه على خلافات عميقة كما بين الهند والصين وباكستان والهند، مقابل تفسخ حلف السبعة من حول أميركا حيث اوروبا تشعر بالتهميش وكندا بالاستهداف، واليابان بالعزلة، ويكفي ايضا ان نعلم ان مساحة دول شنغهاي هي مرة ونصف مساحة دول السبعة، 36 مليون كم مقابل 21، وان عدد سكان شنغهاي خمس مرات عدد سكان السبعة، 3،5 مليار نسمة مقابل 770 مليون، وأن شنغهاي في حال اكتفاء غذائي بخلاف السبعة، وأنها تملك أكبر احتياطات عالمية في النفط والغاز والمعادن الثمينة والمعادن النادرة بخلاف السبعة، وأنها تملك تواصلا جغرافيا بخلاف السبعة، وجيوشا مقاتلة مستعدة لتحمل بذل الدماء بخلاف السبعة، وبالمقابل تعالوا نقول بتوازن عسكري وتكنولوجي بين شنغهاي والسبعة، رغم وقائع تعمل لصالح تفوق راهن محتمل ومستقبلي اكيد لصالح شنغهاي، بينما اميركا التي تريد استعادة عظمتها ولو ادى ذلك للتضجية بمكانتها للم تعد تملك الا سطوة عملتها التي تؤدي العقوبات الى المزيد من الهروب منها الى بدائل اخرى، وسطوة اعلامها الذي سقط امام شعوبه في لعنة فلسطين.
مذبحة غزة والتوحش الإسرائيلي الإجرامي بدعم اميركي وتلعثم غربي فرضته حركة شعوب الغرب لصالح فلسطين، ليس الا تعبيرا عن الشعور بالمأزق، وعدم القدرة على تحمل خسارة بحجم هزيمة إسرائيل، رغم المعرفة المسبقة بأن المعركة تحمل في بعض جوانبها طابعا انتحاريا، حيث الجرائم لا تغير في إرادة المقاومة وعزمها ولا تدفع للاستسلام، لكنها تزيد من عزلة اسرائيل كما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه وعن الداخل الأمريكي بالذات، والحزب الجمهوري خصوصا، أما في الميدان فإن زمام المبادرة الفعلي يبدو بيد المقاومة، حيث الروح القتالية أعلى بما لا يقاس بالمقارنة مع حال إحباط يعيشها جيش الاحتلال، وتآكل ينخر صفوفه، ومقابل تكتيكات مبتكرة للمقاومة وتشكيلات تظهر فعالية القيادة، حالة من الفوضى تسود تشكيلات جيش الاحتلال يفقد خلالها الجنود اثناء المعارك لأنهم هربوا من المواجهة او اختبأوا، فيما يتكفل اليمن بصواريخه باخراج مئات الاف من المتظاهرين داخل الكيان واعدادهم تزداد مرة عن مرة.
الحركة الصينية العلنية نحو القيادة واضحة هذه المرة أنها تعبير عن تقدير اللحظة العالمية الجديدة وترنح المشروع الأميركي رغم مقاومته الشرسة، ومكانة كوريا الشمالية واضحة في خارطة المواجهة، كما مكانة إيران، والبيان الختامي يضيف مكانة خاصة لفلسطين، والاستعجال الأميركي لنصر اسرائيلي سريع في غزة، او لخدعة كبرى أو فتنة كبرى في لبنان، أو لصفقة كبرى في سورية، تعبير عن الشعور بأن ثلج الوقت يذوب بين أيديهم والرمل يتسرب بين أصابعهم.

