كأن حزب الله كان يحفر الجبل بإبرة - التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل 9-3-26 البناء
كأن حزب الله كان يحفر الجبل بإبرة
التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل
عودة حزب الله إلى جبهة المواجهة جاءت كإجابة عملية على السجال الداخلي اللبناني الذي رافق الأشهر الماضية. فالحزب الذي منح الداخل اللبناني فرصة لالتقاط الأنفاس ومحاولة بناء علاقة أكثر توازناً بين المقاومة والدولة، قوبل من بعض القوى السياسية بحملة جحود وتنمّر وصلت إلى حد الدعوة لتقديم رأس المقاومة للأميركي والإسرائيلي مقابل أوهام سلطة تُنال بتنازلات تمس السيادة والمصلحة الوطنية. واليوم يعود الحزب ليقول لهذا الداخل إن عبارته السابقة – “دعونا ندافع ولا تستسلموا” – لم تكن شعاراً بل توصيفاً واقعياً لما ينتظر لبنان. فالمواجهة الجارية لا تضيف كلفة جديدة على لبنان بقدر ما تمنع كلفة أكبر كانت حكومة إسرائيل قد قررت فرضها عبر حرب تدمير واجتياح هدفها فرض اتفاق ينتقص من السيادة اللبنانية ويقتطع منطقة جنوب الليطاني ويحولها إلى منطقة عازلة خالية من سكانها.
في المقابل تبدو إسرائيل اليوم في وضع مختلف تماماً عما حاولت إظهاره في بداية المواجهة. فهي تدخل سنتها الثالثة من حرب مفتوحة ومتعددة الجبهات، فيما تتراجع ثقة المجتمع الإسرائيلي بقدرة جيشه على تحقيق الحسم. المستوطنون في الشمال، الذين اختبروا كلفة الحرب مع حزب الله، لا يبدون حماسة للعودة إلى معادلة المواجهة المفتوحة، بينما تتزايد الضغوط الاقتصادية والعسكرية على تل أبيب في ظل استنزاف مستمر وارتفاع كلفة الدفاع الجوي واعتراض الصواريخ. وإلى جانب ذلك تقف إسرائيل أمام معادلة إقليمية حساسة، حيث يرتبط استمرار الحرب بمخاطر على الاقتصاد العالمي، خصوصاً مع التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز وأمن الطاقة، ما يجعل قدرة تل أبيب على إطالة أمد المواجهة محدودة أكثر مما كانت عليه في جولات سابقة.
أما المفاجأة الأبرز فتتمثل في ما تكشفه هذه العودة من أن الأشهر الخمسة عشر الماضية لم تكن مرحلة إنهاك للمقاومة بقدر ما كانت فترة إعادة بناء هادئة ومدروسة. فالحزب يظهر اليوم قادراً على العمل في جنوب الليطاني بأريحية لافتة، وكأن تلك الفترة التي امتدت خمسة عشر شهراً، أي نحو 450 يوماً و10800 ساعة، لم تكن زمناً ضائعاً بل برنامج عمل متواصل يشبه حفر الجبل بإبرة؛ عمل دؤوب وصامت يراكم القدرة خطوة خطوة بعيداً عن الأضواء. واليوم تتكشف نتائج ذلك الجهد في الميدان: معادلات جديدة تقوم على نزوح مقابل نزوح، وحزام أمني مقابل حزام أمني، وكثافة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والاشتباكات الحدودية الدقيقة. هكذا يدخل حزب الله المواجهة وفق توقيته وأهدافه، لا كرد فعل متسرع، رافعاً عنواناً واضحاً: التطبيق الفوري للاتفاق الذي لم يُنفذ، والذي حاولت إسرائيل استبداله بوقائع جديدة على الأرض وأحدثت اختراقا في الموقف الرسمي لصالح قبول مبدأ التفاوض على اتفاق جديد يمنحها مزيدا من الامتيازات.

