الحكومة نحو الاحتواء بدل نزع السلاح - نقاط على الحروف - ناصر قنديل 9-1-26 البناء
الحكومة نحو الاحتواء بدل نزع السلاح
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
التباينات التي ظهرت في اجتماع الحكومة حول القرار المتعلق بالمرحلة الثانية من خطة حصر السلاح، أي الانتقال الى شمال الليطاني، لم تتسبب بأزمة كما حصل يوم 5 آب وانسحاب وزراء ثنائي حركة أمل وحزب الله، ثم انسحاب جميع وزراء الطائفة الشيعية في جلسة 7 آب، ما يعني أن ما جرى هو تسجيل موقف مبدئي معارض تأسيسا لما سوف يحدث لاحقا، بينما ارتضى المتحمسين للبدء شمال الليطاني ما بدا انه تسوية التأجيل، الفريق الرافض لحصر السلاح يدفع باتجاه قيام الدولة بمزيد من الضغوط لوضع أولوية الانسحاب الاسرائيلي ووقف الاعتداءات، بينما يأمل الفريق المتحمس لإنهاء ملف السلاح أن تشهد المدة الفاصلة عن التقرير القادم للجيش ضغطا سياسيا ومعنويا وماديا على المقاومة لجعل البدء ممكنا وتقديم خطة التطبيق مطلع الشهر المقبل، بينما يأمل رئيس الجمهورية ويعمل بالاتجاهين.
الخيار الذي تراجع هو مشروع التصادم بين الجيش والمقاومة، ولا يبدو هذا التراجع ناتجا عن مراجعة ضميرية للذين دعوا إليه علنا واخرهم كان وزير الخارجية قبل يومين، أو مراجعة سياسية من الذين تجاهلوه وقالوا بأولوية السير بالمرحلة الثانية فورا واعتبار ان المرحلة الاولى منتهية رغم عدم تمكن الجيش من بسط سيادة الدولة على كل منطقة جنوب الليطاني بسبب بقاء أجزاء منها تحت الاحتلال ومواصلة الاعتداءات الإسرائيلية، وهذا ما قاله رئيس الحكومة نواف سلام قبل يومين أيضا بخلاف ما كان يقوله سابقا حول ربط انتهاء المرحلة الأولى بإنهاء الاحتلال والاعتداءات، بينما عاد يتحدث بلغة ثالثة بعد اجتماع الحكومة مؤيدا ما قال انه قرار الجيش بحصر السلاح جنوب الليطاني واحتوائه شمال الليطاني، فما الذي تغير؟
تغيرت أربعة أشياء، الأول أن الإقليم والعالم العربي والغربي باتوا على يقين بأن المقاومة لن تساوم على رفض أي بحث بمرحلة جديدة قبل إنجاز اتفاق وقف إطلاق النار، وتنفيذ اسرائيل موجباتها فيه، ما دفع بالمبعوث الأمريكي توماس باراك الذي كان يستخدم كلام خشية رئيس الجمهورية من الحرب الأهلية للسخرية، ليقول “لا نريد المخاطرة بحرب أهلية والجيش لا يستطيع اطلاق النار على مكون لبناني كبير، وقد فعلنا ذلك عام 1983 فانهار الجيش وانهار لبنان”، والمتغير الثاني كان اقتناع الإقليم والعالم العربي والغربي بأن مواصلة التهويل بالحرب دون شنها يسقطها كورقة ضغط، وان الحرب لن تحسم مصير السلاح، وقد قالت الحرب التي خيضت في ظروف مثالية على الحدود البرية بعد الضربات القاصمة التي تلقتها المقاومة، ولم يتمكن الاحتلال من حسم الحرب، بل انه فشل في تحقيق تقدم حقيقي فشلا ذريعا، ولذلك خرج باراك يقول إن اسرائيل لا تستطيع سحق حزب الله، بعدما كان يقول ان اسرائيل سوف تتولى نزع السلاح بالقوة إذا لم تفعل الدولة اللبنانية ذلك.
تواصل إسرائيل الحديث عن عمل عسكري لكنها سحبت مصطلح الحرب من التداول، وتواصل الضغط لفرض برنامج نزع السلاح لكن ذلك يفقد قوة الدفع مع متغير ثالث يتمثل بالخشية العربية الإسلامية المتعاظمة من التغول الاسرائيلي والانتباه إلى خطورة تقديم هدايا مجانية لحكومة الكيان التي تقرأ كل مكسب تحققه كنتاج بقوتها وبطشها ووحشيتها، ولا تعترف لحلفاء بجميل او عرفان، ولعل تجربة تركيا في سورية ومعها الحكم السوري الجديد وكيف تعاملهما إسرائيل خير دليل، وقد ظهر هذا الحذر بردات الأفعال التركية والسعودية تجاه التوسع الإسرائيلي نحو الصومال وحضرموت، ويكفي الموقف السعودي كمناخ جديد لاحداث تغيير في المناخ اللبناني، ومعلوم أن قرارات 5 آب كانت بتشجيع وربما بضغط سعودي، وتزامن هذا التغيير الثالث مع تغيير رابع هو الموقف الأميركي الذي عبرت عنه كتوجه واسع النطاق استراتيجية الأمن القومي الأميركي، وما تضمنته من إعلان الانكفاء نحو القارة الأميركية، وهو ما ترجمته العملية الأميركية في فنزويلا، وجاء على إيقاعه كلام وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو المكتوب، الذي قال فيه إن اولوية اميركا لبنانيا هي عدم عودة حزب الله الى جنوب الليطاني وعدم تشكيله تهديدا على إسرائيل، وأميركا ستبقى دعم الدولة اللبنانية في سعيها لنزع سلاح حزب الله، ولا يبدو كلام رئيس الحكومة عن حصر السلاح جنوب الليطاني واحتوائه شمال الليطاني ترجمة لبنانية لكلام الوزير روبيو.
الواضح أن اللاعبين هم المقاومة وأميركا والسعودية، وان المسرح السياسي والحكومي في لبنان هو صدى توازن اللعبة بين هؤلاء اللاعبين، ومهما حاول المنادون بالقضاء على المقاومة والمشجعون لحرب اسرائيلية تسحقها أو الداعون الى فتح الجيش النار عليها، واعتماد اللين في موقع الشدة والشدة في موقع اللين بين الاحتلال والمقاومين، أن يحبسوا دموعهم وهم يسوقون المشهد كإثبات لصحة مواقفهم، فلن يخفى على المتابع ان يكتشف بسهولة أنه قد أسقط بأيديهم، وأن البكاء دواء لا داء في حالة أمثالهم
.

