النموذج الخليجي - التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل 6-3-26 البناء
النموذج الخليجي
التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل
خلال خمسين سنة تقدمت سردية ثقافية واستراتيجية تتحدث عن النموذج الخليجي، كصيغة رشيدة للحكم، قادرة على تحقيق إنجازات عمرانية وتنموية وبناء اقتصاد ناجح و إعلام تعددي ومكانة دولية واقليمية مؤثرة.
قام ما عرف باسم النموذج الخليجي على فرضيتين، الأولى لا جدوى الالتزام بالقضية الفلسطينية بما هو أبعد من الموقف الإعلامي والدبلوماسي في حالات قصوى، والاستعداد لإخضاع مبدأ الانفتاح على كيان الاحتلال بمعزل عن مسار الصراع حول القضية الفلسطينية، والثاني الارتباط بعلاقة عضوية بالعباءة الأميركية كرعاية سياسية وعسكرية وأمنية، واعتبار هذين الركنين مع حجم ثروات دول الخليج فرصة لخوض غمار تجربة تقدم عمراني وتقني ومالي واستثماري وخدماتي يوفر الرفاه للمجتمع المحلي ويعزز المكانة الإقليمية الدولية و يؤسس لنمط حكم لا يطبق بالضرورة النموذج الديمقراطي لكنه يستطيع نقل الكثير من مظاهر الانفتاح الغربي الاجتماعي وبعض التعدد الإعلامي بعيدا عن الخوض بالشؤون الداخلية، بما يعني اعلام دولي إقليمي منفتح وضوابط صارمة للإعلام والعمل السياسي في الداخل.
بعيدا عن النقاش الوطني والقومي والإسلامي والأخلاقي لمشروعية هذا النموذج، جاءت الحرب الأميركية الاسرائيلية على إيران تضع هذا النموذج على المحك، بالرغم من محاولات النموذج الخليجي النأي بالنفس عن الحرب عبر علاقة طيبة بطرفي الحرب، حيث قالت الجغرافيا كلمتها، فالحرب بين اميركا واسرائيل من جهة وايران من جهة مقابلة ستجعل الخليج ساحة حرب، سواء لأهمية مياه الخليج للتنافس البحري الأميركي الإيراني، أو لمكانة مضيق هرمز كورقة قوة لا بد لإيران من الضغط بها على الاقتصاد العالمي لفرض تسريع وقف الحرب عليها، ولكن وبصورة خاصة لوجود القواعد الاميركية في دول الخليج، و اعتبارها من جانب إيران أهدافا مشروعة في حالة الحرب.
قامت دول الخليج باعتراض الاستهدافات الإيرانية، ووصفتها بـ التعدي على السيادة، ووجدت حكومات الخليج نفسها بين خيارين صعبين، الأول أن تذهب الى ترجمة توصيف الاستهداف الايراني للقواعد الأميركية اعتداء على السيادة الوطنية والتهديد بالرد بمواقف عملية تعني الانخراط في الحرب الأميركية الإسرائيلية على ياران، ولو من باب آخر، وهذا يعني تعريض كل منجزات النموذج الخليجي على مدى نصف قرن للخراب، والثاني أن تقبل التوصيف الايراني باعتبار القواعد الأميركية خارج السيادة الوطنية للدول التي تقام فيها وفقا للنصوص القانونية للمعاهدات الخاصة بإقامة هذه القواعد باعتبارها أرضا اميركية، تخضع قانونيا وتتبع سياديا للدولة الأميركية، وهذا يطرح السؤال حول مبرر بقاء واقامة هذه القواعد، التي لم تقم بحماية الدول التي اقيمت على ارضها، كما يقول استهداف الدوحة من جانب إسرائيل واستهداف السعودية والإمارات من جانب اليمن وتمنع أميركا عن تقديم المساندة، بعكس ما فعلت أمريكا عندما لبت فورا النداء الاسرائيلي لخوض حرب البحر الأحمر، والقواعد التي أقيمت لتحمي لم تحم بل صار على الدول التي استضافتها ان تحميها، وإزالة هذه القواعد وصفة تفاهم مع إيران لحماية النموذج الخليجي وتحييد فعلي للخليج، لكنها تسقط ركنا من أركان النموذج نفسه.
سقوط فلسفة النموذج مع فشل التحييد، يفتح الباب لسؤال خليجي مفصلي، ماذا لو هزمت ايران في الحرب وانتهت دولة في الضفة الأميركية كما حدث في سورية، ألا يعني ذلك أن اسرائيل سوف تكون الوريث الحصري للنصر الأميركي الاسرائيلي كما حدث في سورية، ولكن مع ايران القريبة من الخليج يصبح التسيد الإسرائيلي إعلان نهاية للنموذج الخليجي وإدخال الخليج في زمن المحمية الإسرائيلية التي تدفع الجزية من سيادتها وثرواتها و استقلالها المالي، بينما اذا صمدت إيران فسوف يبقى توازن في الإقليم يمنح العرب وفي الخليج خصوصا مكانة نقطة الثقل التي يسعى الجميع الى اجتذابها في ظل توازنات هشة في الإقليم، وإيران حتى لو انتصرت لا تملك مقومات التسيد على المنطقة، لأنها بتركيبتها المذهبية لا تستطيع ذلك وبغياب قوة خلفية بحجم أميركا يستحيل ذلك، ما يعني أن مصلحة دول الخليج هي بتوظيف ما يمكنها فعله في الحرب لترجيح كفة صمود إيران لا سقوطها، لكن هذا يعني الخروج من عباءة المفهوم الأصلي للنموذج الخليجي، والعودة الى خيار اقليمي لفلسطين مكانة راجحة فيه على الأرجح، فليس غير فلسطين من غطاء يتيح لدول الخليج التميز عن خيار الحرب الأميركية الاسرائيلية واشتراط العودة لحل للقضية الفلسطينية كشرط لا يمكن القفز فوقه.
النخب الخليجية القريبة من مركز لاقرار والحكم معنية بالتفكير بهدوء وروية بهذه الأسئلة حول مستقبل النموذج الخليجي بعد نصف قرن من ولادته.

