التفاوض وتراجع الحرب لا يعنيان التسوية - نقاط على الحروف - ناصر قنديل 6-2-26 البناء
التفاوض وتراجع الحرب لا يعنيان التسوية
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
لن يكون خيار التسوية بين اميركا وايران سهلا، فالقضايا التي وضعها كل من الطرفين بمثابة خطوط حمراء لا تراجع عنها، يصعب التوفيق بينها، حتى لو حصر التفاوض في الملف النووي وصارت المواقف من مفرداته تعبيرا عن استعصاءات جوهرها ملفات أخرى، لن يكون ممكنا قيام التفاوض اذا تم الاصرار على إضافتها الى جدول الأعمال، كما حدث عندما تراجعت واشنطن عن مفاوضات مسقط الثنائية والمحصورة بالملف النووي، لصالح التمسك بالتفاوض على البرنامج الصاروخي الايراني ومصير دعم إيران لحركات المقاومة، وهي قضايا تتمكس بها إسرائيل وتضغط على واشنطن بعدم التخلي عنها، وكانت موضوع خطاب بنيامين نتنياهو الرافض لاتفاق 2015 أمام الكونغرس الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب سببا لإلغاء الاتفاق عام 2018، بينما تعتقد إيران أن التنازلات في برنامجها الصاروخي تجعل الحرب عليها أقرب وأسهل واقل كلفة وهذا هو الهدف الفعلي برأي طهران للتمسك بمج هذا الملف بالمفاوضات، ولذلك سوف لن توقع واشنطن اتفاقا نوويا لا يتضمن جوابا على البرنامج الصاروخي ولن توقع طهران اتفاقا نوويا يتضمن بندا حول البرنامج الصاروخي.
لا بديل عن التفاوض، والتهديد بمعادلة كل شيء أو لا شيء من جانب واشنطن جلب من طهران جوابا قاطعا، فليكن لا شيء حسنا، وصارت المنطقة مجددا على شفا حرب، وصار المخرج الوحيد هو العودة للتفاوض الثنائي والمحصور بالنووي وفي مسقط، ما بدا أنه فرض إيران لإرادتها، لأنها وصلت في اللعب على الحافة إلى تجاوز خطر الحرب والاستعداد لأسوأ الاحتمالات، لكن واشنطن لم تتراجع مراعاة لحلفائها من الحكومات العربية والإسلامية كما زعمت، رغم أهمية التحول في الموقف العربي الإسلامي خلال عشر سنوات، من الاستعداد لحلف مع اسرائيل ضد ايران ومناشدة واشنطن خوض حرب ضد ايران، الى موقف رافض للحرب مدرك أضرارها ومخاطرها، وحجم ما تستطيعه ايران اذا تعرضت للحرب في ضوء تجربة حرب حزيران، ومدرك أن قطاع الطاقة سوف يكون الخاسر الأول خصوصا بالنسبة للموردين والمستهلكين الذين سوف يواجهون مخاطر انهيارات تخرج عن السيطرة في الأسواق عدا المخاطر الناتجة عن الأعمال الحربية على المنشآت الاقتصادية والسكان.
من الواضح أن الموقف العربي والإسلامي يأخذ بالاعتبار خطر التغول الاسرائيلي على دول المنطقة، وقد كانت تجربة سورية كافية ليفهم الحكام العرب والمسلمون خصوصا في الخليج وتركيا انهم قد يخوضون حربا أميركية مثل حرب إسقاط سورية كنهم بعد الفوز يكتشفون أن اسرائيل كانت الفائز الأكبر ولا تزال من يضع الشروط ويوزع الأدوار ويحدد الأحجام، ويبدو واضحا أن دول المنطقة تعتقد بأن تكرار مشهد سورية في ايران الذي يبشر به الأميركيون يعني عمليا منح اسرائيل فرصة التسيد على المنطقة ومعاملة حلفاء أميركا فيها كعبيد.
من الواضح ايضا ان التراجع الأميركي لصالح قبول الصيغة الايرانية شكلا وموضوعا بمفاوضات مسقط النووية الثنائية، جاء تفاديا للوقوع في الفراغ الذي تصبح معه مخاطر الحرب أكبر، وليس لأي سبب آخر، والأميركيون يعرفون ان الموقف الايراني والقدرة الايرانية يتكاملان عند نقطة الاستعداد لخوض الحرب إذا كان ذلك لابد منه لاعلان التمسك بالتخصيب و البرنامج الصاروخي وحركات المقاومة، وايران تريد وتقدر ان ترسم علامات استفهام جدية حول قدرة إسرائيل أكثر مما فعلت في حرب الاثني عشر يوما في حزيران العام الماضي، وقد أظهرت أنها استفادت من تلك الحرب لجعل قدراتها أعلى وخبراتها أكثر، ولذلك نجحت بمنع جولة ثانية للحرب خلال شهر مضى بتفكيك ناجح لشبكة ستارلينك التي وزعت على انحاء ايران كمنظومة ضبط وسيطرة للشبكات المكلفة بالتكامل مع الحرب الخارجية على إيران مع الحرب من الداخل الايراني، وكما تظهر التطورات التي لحقت بسلاح الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي وتطور تكنولوجيا الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، خصوصا ما سوف يلحق باسرائيل من أضرار جسيمة بعدما قررت ايران انه اذا وقعت الحرب يجب ان تذهب بها الى اقصى قدرة إلحاق الأذى بالعمق الإسرائيلي من الساعات الأولى.
نحن أمام معادلة تخرج من اختبارات خشنة لفرضية التصعيد تتراجع معها فرص خوض الحرب كلما وصل التصعيد الى الحافة، ونحن أيضا أمام استعصاء سياسي في صناعة تسوية إن تضمنت سلاح الصواريخ الايرانية وتحالفات ايران صارت خسارة ايرانية استراتيجية وان تجاهلت الامرين صارت خسارة اسرائيلية استراتيجية لا تزال أمريكا غير مستعدة لخوض غمارها من اجل انجاز تسوية، ما يعني التفاوض يبدأ وربما يستمر لمنع نشوب الحرب وليس لصناعة التسوية الصعبة
.

