سيناريوهات لبنانية إسرائيلية بعد الحرب - نقاط على الحروف - ناصر قنديل 5-3-26 البناء
سيناريوهات لبنانية إسرائيلية بعد الحرب
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
يجمع الخبراء على تجنب اخذ الكلام الأميركي الاسرائيلي عن انجاز المهمة على محمل الجد بعد ما ظهر من نتائج للأيام الأولى من الحرب، حيث فشلت عمليات الاغتيال الناجحة في تحقيق ثلاثة أهداف أريد تحقيقها من خلالها، الأول تفكيك النظام الدستوري والسياسي لصالح ظهور تيارات من النظام تفتح الطريق للمسار الفنزويلي، والثاني ضرب منظومة القيادة والسيطرة بحيث يسهل تدمير القدرات العسكرية لإيران والتخلص منها، والثالث فتح الطريق لانتفاضة شعبية تتكفل بفتح الطريق لإسقاط النظام، وما حدث كاف للقول إن الأهداف الثلاثة سببت خيبة أمل كبرى لكل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
الارتباك الأميركي الإسرائيلي في هدف بديل واضح من شكوك إسرائيلية علنية بتفاوض سري بين واشنطن وطهران لوقف الحرب عبر عنه كلام نتنياهو، وأكده التطمين الأميركي لإسرائيل، كما عبرت عنه اتصالات ترامب بالقيادات الكردية ثم نفيه أي استعداد لتسليح الجماعات الكردية بعد موقف تركي هدد برفع الغطاء عن استهداف القواعد الأميركية في تركيا بعدما استهدفها صاروخ ايراني، والواضح أن لكل توسيع لنطاق حلف الحرب تبعات تجعل الحرب أشد صعوبة، حيث قيام دول الخليج أو بعضها بالانضمام إلى الحرب يجعل الخليج ومنشآت النفط ومياه عبور الناقلات ساحة حرب، وهذا يحقق هدف إيران بإشعال حرب أسعار في سوق الطاقة بسرعة أكبر مما لو بقيت دول الخليج على خيارها الحالي، وانضمام الخليج وأوروبا لن يغير في حجم القوة النارية التي تمثل أميركا عمودها الفقري، ويستنزف الذخائر التي سوف تتحمل أميركا توفيرها للحلفاء، لذلك تركز واشنطن على محاولة تخفيض مستوى تأثر سوق الطاقة بالحرب من جهة، وخلق توازن في القلق من نفاد الذخائر بينها ومعها اسرائيل من جهة وإيران من جهة مقابلة، لتحمل الاستمرار بالحرب أطول مدة ممكنة، أملا بأن تفتح نافذة تنهي الحرب بدون هزيمة، رغم كل الكلام العالي السقوف الذي لا يعبر عن الواقع.
قرار المقاومة باستعادة زمام المبادرة على جبهة الجنوب، جاء في ظاهره ربطا بجبهة إيران، لكنه مع هذا الربط من الزاوية الوجدانية والاستراتيجية، مثل جوابا سياسيا وعسكريا راهنا على أسئلة كبرى حول مستقبل لبنان وما كان يبدو حتميا من الحاقة بمشروع الهيمنة الإسرائيلية، تحت شعار سقوط خيار المقاومة والحاجة للاعتراف بخلل موازين القوى والمتغيرات الاقليمية، و اللحاق بالقطار الذي يقود المنطقة واتخاذ النموذج السوري مثالا، وصولا للترويج لاتفاق تنال فيه إسرائيل جزءا من الجغرافيا البرية منطقة عازلة تسمى تجميليا منطقة اقتصادية وفي الحالين يهجر منها سكانها، ومنح اسرائيل امتياز حرية التحرك في الأجواء اللبنانية، وترتيبات أمنية في مناطق تسمى (مناطق أ وب و ج) على طريقة اتفاق أوسلو بالنسبة للضفة الغربية، وما قد يصبح من ضفة غربية شمالية اسمها لبنان وضفة شرقية شمالية اسمها سورية و ضفة شرقية اسمها الأردن.
لا بد من الشهادة للمقاومة بأن استعادة حضورها أظهر خلال أيام قليلة ما يذهل العدو والصديق، ما منح المصداقية لخطابها خلال خمسة عشر شهرا مضت، كانت تقول فيها انها جاهزة لتحمل المسؤولية لكنها تنفذ التزامها بالوقوف وراء الدولة في ادارة الصراع مع الاحتلال، وأنها رغم الخلل في موازين القوى قادرة على تشكيل تهديد حقيقي لقوات الاحتلال سواء في عمق كيان الاحتلال بصواريخها وطائراتها المسيرة، أو على الخط الأمامي بمواجهات برية تستعيد معارك الستين يوما قبل وقف إطلاق النار ومشاهد معركة وادي الحجير في حرب تموز 2006، وقد اعترفت قيادة كيان الاحتلال بأنها فوجئت بأن كل ما اصاب حزب الله خلال سنة وربع من ضربات واغتيالات، لم يشكل مانعا من ظهور المقاومة بكامل عزمها وقوتها وقدرات كافية لفرض حضور فاعل في الميدان.
خلال 15 ساعة فعلت المقاومة ما فشلت الحكومة بفعل بعضه خلال 15 شهرا، وعوض غيابه ل 15 شهرا، فرد الاعتبار لخيار المقاومة، وكفاءته وقدرته على استعادة التوازن الى المواجهة مع الاحتلال والتحول الى معضلة لأمن الكيان لا يمكن حلها بالمزيد من الحرب، بل بالبحث عن اتفاق، كما هو الحال في الاتجاه الذي تفرضه الوقائع حول مسار الحرب الأميركية الاسرائيلية على إيران.
سيناريو نجاح الاحتلال بالقضاء على المقاومة يفترض أن يكون قد سحب من التداول، لأن ما لم يتحقق في ظل يد إسرائيلية طليقة من جهة، وخسارة حزب الله مشروعيته كمقاومة بعدما توقف عن القتال وسلم للدولة ملف الصراع مع الاحتلال، لن يتحقق وقد أصبحت اليد الاسرائيلية مغلولة بسبب تلقيها الضربات كلما حاولت أن تضرب، وقد استعاد حزب الله مشروعيته كمقاومة بجدارة، أما سيناريو المواجهة الداخلية مع المقاومة فقد انتفى شرطه الضروري وهو نجاح الدولة باستعادة الأرض المحتلة وإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية عبر الخيار الدبلوماسي، اما وان الاحتلال يتوسع ويعتدي بلا توقف والدولة عاجزة عن فعل شيء سوى تقديم التنازلات تحت شعار عدم إغضاب أميركا بعدما تحول الرهان على أميركا من كونها ضامن الاتفاق الذي يجبر إسرائيل على الالتزام إلى قوة ضغط على لبنان لقبول اتفاق بديل يحقق مصالح اسرائيل ويلبي شروطها، فإن السيناريو الوحيد الممكن هو اتفاق جديد يمثل ترجمة هذا التوازن الذي سوف يتعزز كلما نجحت المقاومة بمنع التوسع الاسرائيلي، وكلما نجحت المقاومة بتشكيل مصدر صداع لقادة الكيان بقدرة الاستمرار على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، والتوازن الجديد يتيح الفرصة لتثبيت القرار 1701 ويقطع الطريق على محاولات الانقلاب عليه وعلى اتفاق الهدنة لصالح امتيازات ومكاسب اسرائيلية على حساب السيادة اللبنانية، كانت الحكومة تتأهب للقبول بها، وذهبت الى التصعيد ضد المقاومة لفعل ذلك أصلا.

