ستون يوما أخرى ل “أولي البأس” - نقاط على الحروف - ناصر قنديل 4-3-26 البناء
ستون يوما أخرى ل “أولي البأس”
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
ستون يوما هي المدة التي يتيحها الدستور الأميركي للرئيس دونالد ترامب لمواصلة حربه على إيران طالما انه اختار تسمية الحرب بمواجهة تهديد طارئ تفاديا لطلب الحصول على موافقة الكونغرس لشن حرب، وفي نهاية الستين يوما عليه أن يعود للكونغرس إذا اراد مواصلة الحرب أو استخدام فرصة ثلاثين يوما لسحب القوات، وهذه الأيام هي ساعة رمل لمسارين على ترامب وحليفه في الحرب بنيامين نتنياهو إقامة حساباتها جيدا، على مسارين، الأول هو تفادي نفاد مخزون صواريخ الدفاع الجوي التي يتقن الايرانيون استنزافها، قبل أن تنجح الحملة الحربية بتدمير قدرات إيران الصاروخية لتفادي مواجهة خطر إطلاق صواريخ نوعية وبكمية كافية بينما لا يكون قد بقي لأميركا واسرائيل ما يكفي لتكوين مظلة حماية صاروخية، والثاني هو تفادي انعكاس الحرب بكل تداعياتها وتفاصيلها على الاقتصاد العالمي بانهيارات تخرج عن السيطرة، خصوصا ما يتصل بسوق الطاقة وعلاقته بمضيق هرمز وإنتاج دول الخليج من الغاز والنفط، وكيفية تفاعل أسعار النفط والغاز مع هذه التداعيات، بحيث يجب على ترامب النجاح ببلوغ مهلة الستين يوما والأسعار ترتفع لكن بما لا يهدد الاستقرار، والمعادلة السعرية التي تعمل عليها إدارة الرئيس ترامب هي عدم تجاوز سعر برميل النفط أو كلفة الميغاواط المنتج بالغاز في أوروبا رقم ال100 دولار.
يشك الخبراء كثيرا في نجاح ترامب بتفادي الوقوع في العتبة الحرجة في مخزون صواريخ الدفاع الجوي قبل الستين يوما، بينما تبدو إيران قادرة على مواصلة اطلاق معدل 100 صاروخ و100 طائرة مسيرة يوميا موزعة على جبهات القتال، وهذا كاف لبلوغ العتبة الحرجة في صواريخ الدفاع الجوي بعد دخول اليوم الثلاثين من الحرب، ويبدو بالمقابل ان رقم ال 100 دولار لبرميل النفط وال 150 دولار أيضا ضمن توقعات الأسبوع الثالث للحرب رغم كل التعهدات التي يتحدث عنها ترامب لضمان عبور الناقلات وتخفيف أعباء التأمين، ويبدو رقم ال100 دولار لتكلفة الميجاوات المنتج بالغاز في أوروبا على مسافة أيام من التحقق، وهذا يعني حتمية بدء خروج الوضعين العسكري والاقتصادي عن السيطرة قبل انتهاء مهلة الستين يوما، ويكون على ترامب مواجهة ساعة الحقيقة .
في هذه الحرب وجدت المقاومة في لبنان فرصتها للعودة الى الميدان، بعدما أثبتت صدق التزامها باتفاق وقف اطلاق النار وتسليم الإمرة في ساحة المواجهة والإشراف على تنفيذ الاتفاق من الجانب اللبناني للحكومة، وكان عليها لتحقيق ذلك ان تنسحب من جنوب الليطاني قبل ان ينسحب جيش الاحتلال الى وراء الخط الأزرق، رغم ان القرار 1701 أعطاها الحق لتأجيل انسحابها الى ما بعد الانسحاب الاسرائيلي، لكنها قبلت العكس وفعلت ونفذت والتزمت، اضافة للامتناع عن الرد لستة عشر شهرا على آلاف الانتهاكات والاعتداءات الاسرائيلية، تم خلالها في ظل وقف اطلاق النار توسع سيطرة الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية، والحاق دمار هائل بالقرى والبلدات الجنوبية بما يعادل 85% من اجمالي الدمار الذي لحق بالجنوب خلال الحرب وفقا لاحصاءات الجيش اللبناني، بينما سقط اكثر من 500 شهيد وآلاف الجرحى وتم تهجير الالاف عن بيوتهم، وفي ظل التزام المقاومة بعدم الرد، فشلت الحكومة في توظيف هذا الالتزام للحصول على التزام اسرائيلي مقابل بالطرق الدبلوماسية التي رفعتها الى مستوى الخيار الاستراتيجي، وقد رفضت الحكومة مرارا اقتراحات قيادة الجيش بالرد على الاعتداءات او تعليق تنفيذ الالتزامات اللبنانية بالاتفاق حتى تبدأ اسرائيل بفعل ذلك، ولم يثبت ان الرهان على العلاقة مع واشنطن يفيد لبنان بشيء لا في ترجمة واشنطن لالتزامها كراع وضامن لاتفاق وقف اطلاق النار، ولا بلجم التغول الاسرائيلي لتحديد أهداف تتضمن نسف الاتفاق والقرار 1701 والخروج من اتفاق الهدنة والمطالبة بالسيطرة على جزء هام من الجغرافيا اللبنانية اضافة لفرض السيطرة على الأجواء اللبنانية.
عادت المقاومة الى الميدان وقالت كلمتها القوية بصورة مدوية أثارت ذهول العدو ولاصديق، حيث لم يكد الاحتلال يعلن ردا على عودة المقاومة عبر إطلاق صواريخها التحذيرية، عن بدء حملة برية وجوية، حتى اظهرت المقاومة قدرة على اطلاق قرابة مئة صاروخ وطائرة مسيرة على عدة وجبات، ثم كانت المفاجأة الكبرى في الحضور البري المميز بتدمير خمسة دبابات ميركافا في مواقع ترتبط بالتوغل الإسرائيلي في بلدة كفركلا الواقعة على خط الحدود مباشرة، وبدت المقاومة قادرة على استعادة أشد بأسا من أيام أولي البأس التي امتدت لستين يوما بالمصادفة ايضا.
ستون يوما يخشاها الأميركي والاسرائيلي، وستون يوما تعمل إيران على كتابة حكاية الصمود والنصر فيها، بينما تشتاق إليها المقاومة في لبنان لإعادة كتابة ما سبق وسطره أولي البأس في قتالهم الأسطوري حتى فرض وقف إطلاق النار، وفي نهاية الأيام الستين سوف يكون وقف إطلاق النار بحاجة الى اتفاق، وسوف يتم في الاتفاق الجديد تصحيح ما قالت التجربة انه يحتاج الى تصحيح، هي في كل الأحوال ستون يوما فلننتظر!

