ترامب يشتري الفشل الاستراتيجي - نقاط على الحروف - ناصر قنديل 11-6-26 البناء
ترامب يشتري الفشل الاستراتيجي
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
منذ أن لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه ضربات واسعة للبنية التحتية الإيرانية، من الجسور إلى محطات الطاقة، للمرة السادسة بعد تهديدات مماثلة متكررة تم التراجع عنها، بدا المشهد تعبيرا عن الغضب من تعثر المسار التفاوضي بسبب رفض إيران تلبية طلبات يعتقد ترامب أنه لا يستطيع التنازل فيها، . من دون أن يكون لديه خطة واضحة لتوظيف التهديد في سياق الحسم العسكري للحرب أو في سياق تحسين الموقع التفاوضي مع إيران، ولأن هذا ما كان يدعوه كل مرة للتراجع عن لتهديد مخترعا سباا كل مرة، يبقى السؤال الذي يواجه واشنطن اليوم ليس ما إذا كانت قادرة على شن الحرب، بل ما الذي ستجنيه منها إذا فشلت المفاوضات التي خيضت أصلاً لتجنب الحرب.
السيناريو الأول هو أن تبقى التهديدات في إطارها السياسي والإعلامي من دون تنفيذ. وهنا تبرز مشكلة يعرفها ترامب أكثر من غيره، لأنه سبق أن أطلق تهديدات مشابهة في أكثر من محطة، ثم عاد إلى طاولة التفاوض. المشكلة أن تكرار التهديد من دون تنفيذ يضعف المصداقية الأميركية ويشجع الخصوم على اختبار حدود القوة الأميركية. وقد بدأت أصوات داخل الولايات المتحدة وخارجها تتساءل عمّا إذا كانت التهديدات الأخيرة مختلفة فعلاً أم أنها حلقة جديدة من سياسة تعتمد رفع السقف ثم العودة إلى التسوية.
أما السيناريو الثاني فهو تنفيذ التهديدات والدخول في حرب قد تمتد أربعين يوماً أو أكثر. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً. فما هي الأهداف الواقعية للحرب؟ هل إسقاط النظام الإيراني؟ التجارب الأميركية في إيران، تقول إن كل ضغط عسكري خارجي يرفع منسوب التماسك الداخلي حول النظام، وكل خطر اجنبي يؤدي إلى تمسك القيادة وتمسكها بصلابة مواقفها، ولذلك فإن الرهان على انهيار سريع يبدو أقرب إلى الأمنيات منه إلى التقديرات الواقعية.
أما التوظيف التفاوضي للتصعيد الحربي فقد خبرته واشنطن، وبات لديه جواب واضح على سؤال، هل يمكن أن تؤدي الحرب إلى تراجع القيادة الإيرانية وقبولها بالشروط الأميركية؟ هذا احتمال قائم نظرياً، لكنه يفترض أن تكون كلفة الصمود أعلى من كلفة التراجع. بينما تشير تجارب العقود الماضية إلى أن القيادة الإيرانية بنت شرعيتها الداخلية والخارجية على رفض الإملاءات الخارجية، وتعرف ان التراجع في بند سوف يجر وراءه بنودا، وقد ثبت أن الحرب تنتج أثراً معاكساً وتزيد التمسك بثوابت النظام، خصوصا ان التفاوض عالق عند نقطتين تحوزان شعبية كبيرة في ايران، هما تحرير الأصول الايرانية المجمدة وشمول لبنان بوقف الحرب.
القضية التي لا تقل أهمية هي كلفة الحرب على المنطقة والعالم. لأن مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل شريان الطاقة العالمي. وأي تعطيل طويل لحركة الملاحة يعني ارتفاعاً كبيراً في أسعار النفط والغاز، وضغوطاً تضخمية عالمية، وتراجعاً في النمو الاقتصادي، وتهديداً مباشراً لدول الخليج التي تجد نفسها بين حاجتها للحماية الأميركية وخشيتها من أن تتحول إلى ساحة ردود متبادلة.
أما إسرائيل، التي تضغط منذ سنوات لوضع الملف الإيراني في صدارة الأولويات الأميركية، فقد تجد نفسها أمام مفارقة صعبة. فإذا انتهت الحرب من دون إسقاط النظام الإيراني أو تجريد إيران من قدرتها على الرد، فإن النتيجة العملية ستكون تثبيت مكانة إيران الإقليمية لا إضعافها. والأسوأ بالنسبة لإسرائيل أن تكون الحرب قد أثبتت قدرة إيران على الصمود وعلى مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات أو استهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
هنا تظهر العقدتان اللتان عطّلتا المفاوضات أصلاً. الأولى قضية الإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة. لأن طهران ترى أن أي اتفاق لا يتضمن معالجة هذه القضية يعني عملياً تكرار ما حدث بعد انسحاب ترامب من الاتفاق السابق، عندما استفادت واشنطن من التزامات إيران ثم أعادت العقوبات من دون دفع أي ثمن. والثانية هي الربط بين الملف النووي والملف اللبناني. لأن إيران تعتبر أن استقرار لبنان جزء من أي تفاهم إقليمي، بينما يخشى ترامب أن يؤدي تجاهل المطالب الإسرائيلية في لبنان إلى صدام مع نتنياهو واللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.
المفارقة أن الحرب لن تحل أياً من هاتين العقدتين. فإذا خرجت إيران من الحرب محتفظة بنظامها السياسي وقدرتها العسكرية الأساسية، فستعود المفاوضات إلى نقطة البداية: لا اتفاق بلا معالجة للأرصدة الإيرانية، ولا اتفاق يتجاهل لبنان. بل إن واشنطن قد تجد نفسها مضطرة للتفاوض من موقع أضعف بعدما تكون قد استنفدت أداة الحرب من دون تحقيق أهدافها السياسية.
تبدو المقامرة بالحرب أقرب إلى مغامرة استراتيجية عالية الكلفة. فالفشل التفاوضي قد يكون قابلاً للاحتواء، أما الفشل الاستراتيجي الناتج عن حرب لا تحقق أهدافها فقد يترك الولايات المتحدة أمام شرق أوسط أكثر اضطراباً، وإيران أكثر تشدداً، وإسرائيل أقل أمناً، ودول خليج أكثر قلقاً، واقتصاد عالمي أكثر هشاشة. وعندها لن يكون السؤال لماذا فشلت المفاوضات، بل لماذا جرى التخلي عنها قبل استنفاد فرص النجاح.


سلام غزة و القدس عليكم - العزة والنصر حليف محورالمقاومة وحلفاءها والذلة والعار لمحور الشر وجماعة أبستين (امريكا و بريطانيا وفرنسا وتركيا وقطر والامارات و دول الناتو والنازية الجديدة والماسونية والصهيونية و أسرائيل) وحلفاءه