اليمن لم يكشف أوراقه بعد - التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل 30-3-26 البناء
اليمن لم يكشف أوراقه بعد
التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل
دخول اليمن على خط الحرب لا يُقرأ كإضافة هامشية، بل كتحول في بنية الصراع نفسه، لأن التجربة السابقة بين صنعاء وواشنطن وتل أبيب تقدّم مادة وقائعية كافية لفهم ما يمكن أن يحدث.
في البحر الأحمر، تعود الذاكرة الأميركية إلى ما بعد 2015، حين فشلت محاولات تثبيت وجود بحري مستقر قبالة السواحل اليمنية رغم التفوق العسكري. تقارير صادرة عن البحرية الأميركية ومعاهد بحث مثل “CSIS” (2023–2024) أشارت إلى أن تهديد الصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة اليمنية فرض على القطع البحرية الأميركية العمل من مسافات أبعد، وتقليص حرية الحركة قرب باب المندب. وفي جولات التصعيد الأخيرة، نقلت وسائل إعلام أميركية مثل سي إن إن وواشنطن بوست (خريف 2024) أن المدمّرات الأميركية اضطرت لاعتراض موجات متتالية من المسيّرات والصواريخ، ما استنزف مخزون الذخائر الدفاعية وفرض إعادة تقييم قواعد الاشتباك.
أما باب المندب، فتؤكد بيانات “إدارة معلومات الطاقة الأميركية” أن نحو 10% من تجارة النفط العالمية تمر عبره. ومن خلال الهجمات اليمنية على السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إليها، أشارت تقارير “بلومبرغ” و”رويترز” إلى تحويل عشرات السفن مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، مع زيادة تكلفة الشحن والتأمين وارتفاع زمن الرحلات. هذا المعطى يجعل التهديد اليمني بإقفال المضيق ليس مجرد شعار، بل أداة ضغط اقتصادي عالمي مباشر.
إسرائيلياً، تكشف الوقائع عن عنصر المفاجأة المستمر. منذ أواخر 2023، أقرت تقارير في “يديعوت أحرونوت” و”هآرتس” بأن الصواريخ والمسيّرات القادمة من اليمن فرضت على منظومات الدفاع الجوي العمل على مسافات غير مسبوقة، وأن بعضها وصل إلى أهداف في إيلات ومحيطها رغم الاعتراضات. كما نقلت القناة 12 الإسرائيلية (بداية 2025) عن مسؤولين عسكريين أن “اليمن جبهة بعيدة لكنها معقدة، لأنها لا تخضع لنمط الردع التقليدي”.
في البعد البري، يملك اليمن خبرة حرب ممتدة منذ عقد، مع قدرة على حشد قوات كبيرة وخوض حرب استنزاف طويلة. تقارير أممية وعسكرية غربية تشير إلى أن القوات اليمنية طورت تكتيكات قتال غير تقليدية تجمع بين حرب العصابات واستخدام الصواريخ التكتيكية والمسيّرات، ما يجعل أي تدخل بري خارجي مكلفاً. وقد حذّر باحثون في “معهد واشنطن” و”راند” من أن أي انخراط خليجي جديد في حرب مفتوحة مع اليمن سيعيد إنتاج سيناريو الاستنزاف السابق بكلفة أعلى.
خلاصة الوقائع أن دخول اليمن يفتح ثلاثة مسارات ضغط متزامنة: تهديد الملاحة في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، استنزاف الدفاعات الأميركية في البحر الأحمر، وفتح جبهة بعيدة مربكة لإسرائيل. وهو ما يفسر أن التعليقات الأميركية والإسرائيلية، رغم تفوق القوة، تتعامل مع اليمن كعامل عدم يقين استراتيجي، لا كجبهة يمكن احتواؤها بسهولة.

