فرنسا والمسار الهندي ولبنان - التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل 28-2-26 البناء
فرنسا والمسار الهندي ولبنان
التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل
لم يكن لافتًا في لقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي لمبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، جيرار ميستراليه، الحديث عن استعداد لبنان للانخراط في المبادرة بحد ذاته، لأن الاهتمام اللبناني بالمسار طبيعي، لذلك فإن العبارة المفتاحية هي تلك التي حملها الجانب الفرنسي: “التوجه الحالي نحو تنويع المسارات وتعزيز المرونة في ضوء المتغيرات الجيوسياسية”. هنا تكمن الدلالة الحقيقية.
الممر في صيغته التي أُعلن عنها عام 2023 قام على مسار واضح: من الهند إلى الخليج، عبر السعودية والأردن، وصولًا إلى إسرائيل، ومن ثم إلى المتوسط وأوروبا. كان التصور خطيًا، أقرب إلى ممر أحادي العبور منه إلى شبكة متعددة العقد. لكن حرب غزة، وما تبعها من اهتزاز أمني في شرق المتوسط، أعادت طرح سؤال جوهري: هل يمكن لمشروع استراتيجي طويل الأمد أن يعتمد على نقطة عبور واحدة قابلة للتعطيل؟ وهل يجب الانتظار حتى تنفتح مجددا مسارات التطبيع السعودي الاسرائيلي وهي شرط لإقلاع هذا المخطط للمر التجاري الحيوي؟
عندما يتحدث مبعوث رئاسي فرنسي عن “تنويع المسارات”، فإن الأمر يتجاوز تطوير مرفأ أو توسيع أرصفة. المقصود هو إعادة النظر في فلسفة المشروع نفسها. أوروبا، التي سعت في السنوات الأخيرة إلى تقليل اعتمادها على مصادر ومسارات أحادية في الطاقة والتجارة، تدرك أن أي ممر يرتكز حصريًا على عقدة واحدة يبقى عرضة للمخاطر السياسية أو العسكرية. والبديل ليس بالضرورة إلغاء المسار القائم، بل تحويله إلى جزء من شبكة أوسع وأكثر مرونة.
في هذا السياق يبرز لبنان كعقدة محتملة. موقعه البحري بين فلسطين المحتلة وسوريا، وقربه من قبرص واليونان، يمنحه قدرة على لعب دور مكمل أو احتياطي. مرفأ طرابلس، البعيد نسبيًا عن بؤر التوتر المباشر، قد يتحول إلى محطة بحرية إضافية ضمن شبكة متوسطية أوسع، فيما يبقى تطوير مرفأ بيروت رهناً بإعادة التأهيل والاستقرار المؤسسي. إدخال لبنان، في حال تحقق، لا يعني استبدال مسار بآخر، بل توزيع المخاطر، وهو ما تسعى إليه الاستراتيجيات الأوروبية عادة تحت عنوان “تعزيز المرونة”.
لكن الطرح الفرنسي في بعبدا لا يمكن قراءته بمعزل عن أبعاده السياسية. إدماج لبنان في مشروع بهذا الحجم يضعه ضمن إعادة رسم أوسع لشرق المتوسط اقتصاديًا واستراتيجيًا. لأن الممر لا يقتصر على نقل البضائع، بل يشمل الربط الطاقوي والرقمي، من كابلات الألياف الضوئية إلى مشاريع الطاقة النظيفة. وهذا يفتح الباب أمام ربط محتمل للبنان بشبكات الغاز أو الكهرباء الإقليمية، أو إدخاله في منظومة الترابط الرقمي بين آسيا وأوروبا. بكلام آخر، الحديث هو عن تموضع لبنان داخل منظومة إقليمية جديدة، لا عن عبور حاويات فقط.
يبقى السؤال الأعمق: هل ما تطرحه باريس مبادرة أوروبية منسقة أم تحرك فرنسي لتعزيز النفوذ في شرق المتوسط؟ فرنسا، بعد تراجع نفوذها في مناطق أخرى، تسعى إلى تثبيت حضورها المتوسطي وربط مرفأ مرسيليا بمسارات جديدة نحو الشرق. إدخال لبنان يمنحها نقطة ارتكاز إضافية لا تمر حصريًا عبر المحور الأميركي–الإسرائيلي–الخليجي، ويعيد لها دور الوسيط بين أوروبا والمشرق.
في المقابل، تدرك فرنسا محدودية قدرتها على فرض مسارات منفصلة دون تغطية أميركية، ولذلك يصح السؤال عما إذا كان إغراء لبنان بالانخراط في مسار الهند أوروبا هو جزرة ترتبط بالضغط على لبنان عبر معادلة تقول، لكن هذا المشروع يستحيل السير به قبل انهاء ملف السلاح، او القول ان هذا المشروع يستدعي انضمام لبنان سريعا الى خط ربط الغاز في شرق المتوسط مع إسرائيل وقبرص واليونان؟

