حرب النصوص في دافوس - التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل 28-1-26 البناء
حرب النصوص في دافوس
التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل
نادرا ما تكون حرب النصوص حربا بين القوى الكبرى، ونادرا ما تعبر حرب النصوص والخطابات عن درجة سخونة الاشتباك وصفرية الخيارات، لكن الذي حدث في مؤتمر دافوس قبل أيام كان مختلفا، حيث كانت الكلمات أسلحة المستقبل الغامض الذي يبحث الجميع عن كيفية تحويله الى لحظة مضيئة، خصوصا ان الحرب تجري بين حلفاء الأمس.
لذلك لم تكن قمة دافوس الأخيرة ساحة نقاش اقتصادي بقدر ما كانت ميدان حرب نصوص. للمرة الأولى منذ سنوات، لم ينتصر الخطاب الأعلى صوتًا، بل الخطاب الأقدر على تسمية الأزمة وتقديم مخارج. أصوات مثّلت المصالح التي تغيرت وصارت مختلفة: دونالد ترامب، إيمانويل ماكرون، مارك كارني، وما جرى بينهم لم يكن خلاف سياسات، بل تنافسًا بلاغيًا على معنى القوة والنظام.
دخل ترامب القاعة بنصّ واحد المعنى: إعلان القوة. جملته المركزية دارت حول فكرة أن أميركا الأقوى، وعلى الآخرين أن يلتحقوا بها ويتحمّلوا كلفة حمايتهم. البلاغة هنا أمرية، عمودية، تختصر العالم في علاقة تابع ومتبوع. هي جملة صالحة للتعبئة الداخلية، لكنها فقيرة خارج جمهورها، لأنها لا تعترف بأزمة عالمية مشتركة، ولا تفتح أفقًا لنظام أو بديل. في حرب النصوص، بدت هذه الجملة قوة بلا سردية.
في المقابل، جاء ماكرون بجملة فتحت نافذة: «لا يمكن لأوروبا أن تُدار في عالم يُفرض عليها الاختيار بين أميركا أو الصين؛ شراكتنا مع الصين ضرورة توازن لا خيانة تحالف». هذه جملة تفاوضية لا تصادمية، تعترف بتحوّل ميزان القوى، وتقدّم خيارًا ثالثًا بدل الثنائية القسرية. بلاغتها في أنها توسّع مساحة القرار بدل أن تضيقها، وتحوّل الشراكة من ولاء إلى أداة توازن.
أما كارني، فدخل بنصّ صادم ومباشر: «النظام الدولي الذي عرفناه لم يعد قائمًا؛ نحن لا نعيش مرحلة انتقال، بل مرحلة تمزّق كامل». هذه جملة تشخيص لا وعد، تسمّي الموت باسمه وتُنهي وهم الإصلاح التجميلي. قوتها البلاغية في الصراحة: لا تَعِد بحل سريع، لكنها تُحرّر النقاش من إنكار الواقع. في حرب النصوص، كانت هذه الجملة الأكثر صدقًا، لأنها نزعت القداسة عن النظام القديم وفتحت الباب لتخيّل شبكات بديلة.
حين تُوضَع هذه الجمل جنبًا إلى جنب، يتضح سبب خسارة ترامب الإعلامية للمرة الأولى. الآخرون سمّوا الأزمة أو اعترفوا بها أو اقترحوا مخارج. ترامب وحده تجاهلها. في زمن القلق العالمي، لم يعد كافيًا أن تقول «أنا الأقوى». الجمهور—نخبًا وأسواقًا—يسأل: ماذا بعد؟ وكيف؟ وبأي نظام؟

