إبعاد السفير الايراني رأس جبل جليد - التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل 27-3-26 البناء
إبعاد السفير الايراني رأس جبل جليد
التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل
قرار إبعاد السفير الإيراني لم يعد مجرد خطوة دبلوماسية، بل تحوّل إلى مفصل سياسي يهدد تماسك الحكومة ويضعها أمام اختبار وجودي. وقد بدأت المؤشرات الأولى للانقسام مع غياب وزراء الثنائي عن اجتماع الحكومة في السراي، وهو ما ينذر بتحول هذا الغياب إلى استقالة كاملة للوزراء الشيعة إذا بقي الملف عالقا ولم يحدث أي تقدم نحو الحال، بما يفتح الباب أمام أزمة ميثاقية خطيرة. عندها لن تكون المشكلة مجرد شغور وزاري، بل سقوط شرعية التمثيل، ما يجعل كل قرارات الحكومة عرضة للطعن السياسي والدستوري، ويعيد البلاد إلى مناخات عرفها لبنان في محطات مفصلية سابقة.
المشهد لا ينفصل عن السياق الميداني جنوباً، حيث تتكفل الوقائع بإعادة صياغة التوازنات. بينما راهنت الحكومة على الدبلوماسية الغربية والعربية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وإنهاء الاحتلال، لم تحقق أي اختراق يُذكر. في المقابل، فرضت المقاومة معادلة مختلفة، نقلت فيها كلفة استمرار الاحتلال إلى الداخل الإسرائيلي، وجعلت من خيار التوسع عبئاً لا مكسباً. هذا التباين بين عجز المسار السياسي وفعالية المسار الميداني يضع الحكومة في موقع حرج، خصوصاً مع إشهار العداء للمقاومة، وتبنيها لموقف باهت في التعامل مع الاحتلال، في ظل نظرية التفاوض خيار استراتيجي ونظرية حروب الآخرين على أرض لبنان، وكأنها تكرر تجربة مرحلة اتفاق 17 أيار، حين بدأ الانفصال بين السلطة والواقع سبباً مباشراً في انفجار داخلي أدى الى انتفاضة 6 شباط.
اليوم، تبدو الحكومة أمام خيارين أحلاهما مرّ. الأول، المضي في الانصياع للضغوط الأميركية، بما يعني تثبيت قرار إبعاد السفير الإيراني والتصعيد في العلاقة مع قوى داخلية أساسية داعمة للمقاومة، وهو مسار يفتح الباب أمام تفكك حكومي وربما أوسع من ذلك. او التراجع عن القرار، بما يحفظ الحد الأدنى من الوحدة الوطنية، لكنه يضع الحكومة في مواجهة مع واشنطن وحلفائها، ويهدد بخسارة الدعم الخارجي الذي راهنت عليه.
لكن بين هذين الخيارين، يلوح مسار ثالث، يقوم على التراجع التدريجي المدروس، لا بوصفه تنازلاً، بل كإعادة تموضع تفرضها الوقائع. فمع تبلور قوة المقاومة جنوباً، وتزايد المؤشرات على اتجاه إقليمي نحو تسويات تأخذ المصالح الإيرانية بعين الاعتبار، يصبح من الواقعي البحث عن مقاربة داخلية تخفف الاحتقان وتمنع الانفجار. البداية المنطقية لهذا المسار تكون بإعادة النظر في قرار إبعاد السفير، باعتباره الخطوة الأكثر استفزازاً داخلياً والأقل جدوى خارجياً.
الإصرار على القرار قد يقود إلى انهيار داخلي يعيد إنتاج أزمات الماضي، بينما التراجع قد يفتح نافذة تسوية تحفظ الاستقرار. وبين هذين المسارين، تقف الحكومة على حافة لحظة فاصلة، تشبه في خطورتها تلك التي عاشها لبنان مطلع الثمانينيات، حيث لم يكن القرار مجرد خيار سياسي، بل مساراً حدد مصير الدولة لسنوات طويلة.

