يوم تسود وجوههم عند الحرب أو الاتفاق - نقاط على الحروف - ناصر قنديل 26-2-26 البناء
يوم تسود وجوههم عند الحرب أو الاتفاق
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
هناك شرائح واسعة من الكتاب والمشاركين في الحضور في برامج التحليل التلفزيونية والسياسيين في الدول العربية ومنهم فئة وازنة في لبنان، وضعوا كل بيضهم في سلة الحرب الأميركية على إيران التي يرونها حكما قادمة، وقد بنى هؤلاء خطابا سياسيا متماهيا مع الخطاب الاسرائيلي القائم على الدعوة العلنية للحرب، وخطاب الحرب يعني لهم سحق قدرة ايران العسكرية، والقضاء على حلفائها في حركات المقاومة، وفتح مسار لتغيير النظام في إيران، وكل ذلك يعني دخول المنطقة في العصر الاسرائيلي كوكيل مباشر للزمن الأميركي، حيث سائر حلفاء أميركا مجرد مساعدين لدى المدير الاسرائيلي، او شركاء مضاربين، كما هو الحال في سورية التي اسقط النظام السابق فيها باستثمار عربي تركي، ادارته اميركا وقطفت ثماره ولا تزال اسرائيل، وهي ترفض حتى الانسحاب مما احتلته بعد سقوط النظام، فكيف بالنسبة للجولان الذي كان العرب والأتراك يعتقدون أن اسرائيل واميركا سوف توافقان على الانسحاب منه لصالح نظام يوالي السياسات الأميركية ويرفض خيار المقاومة ويضمن أمن إسرائيل، لمساعدة هذا النظام على الوقوف على قدميه.
في حال الحرب نفسها إذا وقعت ليس هناك نتائج محسومة لصالح أمريكا وإسرائيل، في ضوء ما جرى في حرب حزيران العام الماضي وصمود إيران وقدرتها على مواصلة إطلاق صواريخها وإيقاع الأذى الشديد بالعمق الإسرائيلي، إضافة لما يمكن لإيران فعله عندما تواصل أميركا الحرب، بخلاف ما فعلت في حزيران عندما امتنعت عن الرد على الضربة الايرانية قاعدة عملياتها في قطر وطلبت وقفا فوريا لإطلاق النار، واميركا لم ترد لانها تعلم ان الرد سيفتح باب حرب استنزاف تدفع فيها ايران اكلافا عالية، لكن الأكيد فيها ان مضيق هرمز سوف يغلق وسوف ينجم عن ذلك أثر اقتصادي غير قابل للاحتواء يهدد الاستقرار الاقتصادي في العالم، إضافة لما يمكن أن يصيب القواعد الأميركية والقطع الحربية الأميركية في الخليج ومن ضمنها حاملات الطائرات، في ضوء تجربة حرب البحر الأحمر بين أميركا واليمن.
إذا كان مفهوما أن لا يأخذ المفتونون بالترامبية و المعجبين بشخصية بنيامين نتنياهو، فرضية تعثر خيار الحرب على محمل الجد، فهم يسقطون من حسابهم كليا فرضية الاتفاق، ومع انعقاد جلسة التفاوض الحاسمة في جنيف، يجب طرح السؤال الذي قد يصبح هو الحقيقة الواحدة الثابتة، ماذا لو توصلت واشنطن وطهران الى اتفاق نووي، ينص على تثبيت حق إيران بتخصيب اليورانيوم ويحدد نسبة تخصيب وكميات مخصبة متفق عليها، ولا يتناول أي بنود تتصل بالبرنامج الصاروخي الايراني او بعلاقة إيران مع حلفائها في حركات المقاومة، أو ما يتصل بالوضع الداخلي في إيران، وفي واشنطن من يقول إن العقوبات على بيع النفط والغاز والمصارف والشركات التجارية هي عقوبات ترتبط بالملف النووي، ويمكن رفعها مع التوصل إلى اتفاق نووي، مع الاحتفاظ بعقوبا على أفراد وكيان تتصل بكل من العناوين الباقية والسعي لجعلها عناوين تفاوض لاحقة، وان هذا الخيار يريح واشنطن في علاقتها باسرائيل والقول ان واشنطن لم ترضخ لشروط إيران، وقبلت بحصر البحث بالاتفاق بالملف النووي، بل قامت بتجزئة الملفات وهي ماضية بالعقوبات الخاصة بباقي الملفات سعيا للتفاوض وانجاز اتفاقات حولها.
الاتفاق النووي يعني بالنسبة لإيران رفع العقوبات التي تكبل اقتصادها وتمنعها من بيع نفطها وغازها وتشل حركة مصرفها المركزي ومصارفها التجارية، ومن دون رفع هذه العقوبات لا اتفاق، واي اتفاق يضمن رفع هذه العقوبات يستحق بالنسبة لإيران ربط النزاع على الملفات الأخرى ولو ربطت معها عقوبات موضعية ترتبط بها ولا تطال جوهر عناصر الحياة الاقتصادية والتجارية والمالية في إيران، ويبدو مثل هذا الاحتمال كبيرا جدا في ضوء معطيات موثوقة لما يمكن أن ينتج عن الحرب من مخاطر، وعدم وجود فرصة لتحقيق الأهداف عبر الحرب، سواء اسقاط النظام او استسلامه، والسؤال بمعزل عن نسبة هذا الاحتمال، هو ماذا لو حدث ذلك؟
إذا خرج الدخان الأبيض من جنيف سوف تسود وجوه كثيرة، وبداية من اسرائيل سوف يعم الحداد، وفي قناة الحدث سوف يلبس السواد، وفي قنوات لبنانية سوف يبدأ اللطم، وسوف نسمع تحليلات وتنظيرات تفوح منها المكابرة وحال الإنكار تحت عنوان، ان هناك ملاحق سرية وانتظروا وسترون، وأن أميركا حصلت على كل ما تريد، لكن الأيام سوف تمر سريعا وتقول ان لاشيء من ذلك قد حصل، وأن الاتفاق هو ما تم اعلانه، وأن أميركا ليست الها ولا قدرا كما يظنون، وأن في المنطقة قوى قادرة على قول لا والاستعداد لتحمل التبعات والتداعيات، وصولا الى فرض تغيير الاتجاه.
الذي يحركهم الحقد على إيران وقوى المقاومة، سوف يصابون بالذهول إذا وقعت الحرب من حجم ما سوف تظهره إيران من اقتدار وبأس وثبات، وما سوف يلحق باسرائيل والمصالح الأميركية من أذى، وصولا الى فرض تسوية تعبر عن موازين القوى الحقيقية وليس تلك الموجودة في رؤوس الحاقدين، وان تم الاتفاق سوف يضطر هؤلاء للتأقلم مع حقيقة أن إيران قوة كبرى لا يمكن شطبها ولا إخضاعها ولا تجاهلها، وان قوى المقاومة حليفة لإيران وليست اذرعا ايرانية ولا أوراق تفاوض، وأنها باقية وتزداد قوة وأن الدعم الايراني لها لن يتوقف، فماذا يفعلون، ليستعدوا مبكرا كي لا يصابوا بالتلعثم من هول المفاجأة وقوة الصدمة.

