إعادة الاعمار وصندوق إيران - التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل 23-6-26 البناء
إعادة الاعمار وصندوق إيران
التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل
لا تقتصر أهمية إعادة الإعمار على معالجة الأضرار المادية التي خلفتها الحرب، بل تتجاوز ذلك إلى صلب مفهوم إنهاء الحرب نفسه. لأن إسرائيل سعت خلال الحرب إلى فرض منطقة عازلة فعلية عبر التدمير الواسع وإفراغ القرى الحدودية من سكانها. ولذلك فإن إنهاء هذه المنطقة العازلة لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار أو حتى الانسحاب العسكري، بل بعودة السكان إلى قراهم واستقرارهم فيها بصورة دائمة. وهنا تصبح إعادة الإعمار شرطاً ملازماً لإنهاء الحرب، لأن النازح الذي لا يجد منزلاً يعود إليه ولا مدرسة لأطفاله ولا شبكة كهرباء ومياه وخدمات أساسية، لن يستطيع تثبيت عودته مهما كانت رغبته بذلك.
وقضية الجنوب لا تخص أبناء الجنوب وحدهم، بل تتصل بوحدة لبنان وتوازنه الاجتماعي والاقتصادي. فاستمرار النزوح لفترة طويلة يعني انتقال عشرات الآلاف من العائلات إلى مناطق أخرى بصورة دائمة، وما يرافق ذلك من ضغوط اقتصادية واجتماعية وعمرانية على المدن والمناطق المستقبلة واضطراب ديمغرافي. ويعني أيضاً تراجع النشاط الزراعي والإنتاجي في الجنوب، وتآكل البنية الاجتماعية للقرى والبلدات، وتحول مساحات واسعة من الأرض إلى مناطق شبه مهجورة. ومع مرور الوقت تتسع اختلالات ديموغرافية واقتصادية يصعب معالجتها وتصبح العودة أكثر تعقيداً وكلفة.
ومن هنا فإن إعادة الإعمار ليست مجرد مشروع إسمنتي أو هندسي، بل مشروع وطني لحماية المجتمع اللبناني من النتائج البعيدة للحرب. فكل منزل يعاد بناؤه هو خطوة نحو تثبيت السكان في أرضهم، وكل قرية تستعيد مدارسها ومؤسساتها وخدماتها هي مساهمة مباشرة في إسقاط أهداف الحرب التي سعت إلى تحويل النزوح إلى واقع دائم. ولهذا تبدو المقاربة التي تربط الإعمار بإنهاء الحرب مقاربة واقعية، لأن السلام لا يقاس فقط بغياب القتال، بل بقدرة الناس على العودة والاستقرار واستعادة حياتهم الطبيعية. فحين يعود أهل الجنوب إلى الجنوب ويثبتون في أرضهم، تكون المنطقة العازلة قد سقطت فعلياً، ويكون لبنان قد خطا خطوة أساسية نحو التعافي واستعادة وحدته الوطنية.
لذلك لا يكاد يوجد ملف يوازي في أهميته اليوم ملف إعادة إعمار لبنان. فالحرب التي امتدت أشهراً طويلة لم تترك وراءها مجرد أضرار موضعية أو خسائر قابلة للمعالجة السريعة، بل خلّفت دماراً واسعاً في القرى والبلدات الجنوبية وفي الضاحية الجنوبية والبقاع، وأصابت البنية التحتية والخدمات العامة والقطاع السكني والاقتصاد المحلي بأضرار هائلة. وبينما تتحدث التقديرات عن عشرات آلاف من الوحدات السكنية المدمرة أو المتضررة وعن مليارات الدولارات المطلوبة لإعادة البناء، يقف لبنان أمام حقيقة قاسية تتمثل في أن الدولة لا تملك الموارد الكافية لمواجهة هذا التحدي بمفردها. ولذلك تحولت قضية الإعمار سريعاً إلى واحدة من أبرز أدوات الصراع السياسي الداخلي والخارجي. فمنذ الأيام الأولى لوقف النار برزت محاولات لربط إعادة الإعمار بشروط سياسية وأمنية، وكأن المطلوب من أهل المناطق التي تحملت أعباء الحرب أن يدفعوا ثمناً إضافياً مقابل حقهم الطبيعي في العودة إلى بيوتهم وإعادة بناء حياتهم.
هذا المنطق القائم على استخدام الإعمار وسيلة ضغط أو ابتزاز لا يقتصر على الداخل اللبناني، بل ظهر أيضاً في بعض المقاربات الخارجية التي حاولت تقديم المساعدات وإعادة التمويل بوصفها أوراق تفاوض مرتبطة بمسارات سياسية وأمنية أخرى. وهنا تكمن خطورة المسألة. لأن الإعمار ليس مكافأة تمنح لطرف أو تحجب عن طرف، وليس أداة لإعادة رسم التوازنات الداخلية، بل هو استحقاق وطني وإنساني يفرضه حجم الدمار الذي أصاب اللبنانيين.
في هذا السياق اكتسبت التصريحات الإيرانية الأخيرة أهمية خاصة. فالكلام الذي صدر عن مساعد وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي لم يتعامل مع إعادة إعمار لبنان بوصفها ملفاً منفصلاً عن التفاهمات التي أنهت الحرب، بل باعتبارها جزءاً من عملية إنهاء الحرب نفسها. وهذه مقاربة مختلفة جذرياً عن مقاربة الابتزاز السياسي. فوفق هذا الفهم، لا يكتمل وقف إطلاق النار بمجرد توقف العمليات العسكرية، بل يحتاج إلى ترجمة عملية تتيح للمتضررين العودة إلى منازلهم واستعادة حياتهم الطبيعية وتمنع إعادة إنتاج أسباب التوتر والانفجار.
ومن هنا جاء حديث روانجي عن إدراج لبنان ضمن المستفيدين من صندوق إعادة الإعمار المخصص لتعافي إيران والذي يجري العمل عليه في إطار التفاهمات الجديدة. فالفكرة الأساسية تقوم على أن السلام المستدام يحتاج إلى أسس اقتصادية واجتماعية توازي الأسس الأمنية والسياسية. وإذا كانت الحرب قد شملت إيران ولبنان وأنتجت أضراراً مباشرة وغير مباشرة في أكثر من ساحة، فإن معالجة نتائجها يجب أن تشمل الساحات نفسها. لذلك يصبح تمويل إعادة إعمار القرى المدمرة والبنى التحتية والمرافق الحيوية جزءاً من تثبيت نتائج التسوية وليس بنداً خيرياً منفصلاً عنها.
الأهمية السياسية لهذا الطرح أنه ينقل ملف الإعمار من دائرة المساومة إلى دائرة الالتزام. فعندما يصبح الإعمار جزءاً من الاتفاق الذي أنهى الحرب، تتراجع قدرة أي طرف على استخدامه أداة للضغط والابتزاز. وعندما ترتبط إعادة البناء بمسار دولي وإقليمي أوسع، يصبح من الصعب تحويل حاجات اللبنانيين إلى أوراق تفاوض داخلية أو خارجية.
مرة جديدة شكرا إيران.


أحسنت النشر والقول – سلام غزة و القدس عليكم - العزة والنصر حليف محورالمقاومة وحلفاءها والذلة والعار لمحور الشر وجماعة أبستين (امريكا و بريطانيا وفرنسا وتركيا وقطر والامارات و دول الناتو والنازية الجديدة والماسونية والصهيونية و أسرائيل) وحلفاءه