ثلاثة أسباب تدفع قرار الحرب للتراجع - نقاط على الحروف - ناصر قنديل - 23-2-26 البناء
ثلاثة أسباب تدفع قرار الحرب للتراجع
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
لا يجب أن يساور الشك أحدا في أن المشروع الحقيقي للرئيس الأميركي دونالد ترامب في معالجة المأزق الإيراني هو الحرب وليس التفاوض، الحرب التي تدمر قدرات إيران الصاروخية وتفكك مؤسساتها العسكرية والأمنية والقيادية وتفتح الباب لتسلم القيادة من شخصية مستعدة للذهاب مع أميركا بعيدا، ولو تحت غطاء الحفاظ على هوية النظام العلنية، تذهب مع أميركا بالخروج من الصراع مع إسرائيل ولو لم تعترف بها، تخرج من برنامجها النووي ولو لم تصرح بذلك علنا، أولويتها الحصول على مكاسب اقتصادية تتمكن عبرها من اظهار جدوى خيارها بالتفاهم مع واشنطن وإظهار واقعيته بالمقابل كخيار غير مذل وغير مكلف، ولو كانت الثمان تدفع ضمنا.
هذا الخيار يبدو متعثرا لذلك يذهب ترامب للتفاوض، لكن التفاوض مع إيران متعب ومزعج ولا يتيح فرصة تسوية، والنتيجة القائمة على اتفاق نووي حصرا ويحفظ لإيران حقوقها الثابتة، ولا يقدم الا تنازلات شكلية، هو هزيمة أميركية وكارثة اسرائيلية، خصوصا أن إيران تصر على رفع العقوبات بصورة كاملة لقاء أي اتفاق، لن يستطيع أحد انكار انه يمنح الشرعية لتمسك إيران ببقاء برنامجها الصاروخي ودعمها لحركات المقاومة، ما يتكفل باطاحة كل مزاعم النصر الذي تحدث عنه ترامب والذي دعا شريكه بنيامين نتنياهو الى التباهي به، وسقف ما يمكن أن تناله أميركا هو حفظ ماء الوجه ببعض المكاسب النووية الشكلية التي تعرف واشنطن انها لا تمس موازين القوى التي سوف تنشأ عن هذا الاتفاق، خصوصا فيما يتعلق بوضع اسرائيل الاقليمي، ولو أن المكاسب الاقتصادية التي قد تعرضها إيران تشكل تعويضا مناسبا للخسارة السياسية.
المراوحة في المكان غير ممكنة لأن حروب المنطقة كلها لا تزال مفتوحة، وتحقيق تقدم في أي مسار منها لم يعد ممكنا لإسرائيل أو لأميركا دون النجاح الكامل في المسار الإيراني، ومثلما يعني الاتفاق مع إيران بشروطها ترجيح كفة تسويات تعيد تعويم قوى المقاومة، فإن المراوحة تعني بقاء الاستعصاء في ساحات مثل لبنان وغزة واليمن والعراق، وهذا سوف يدفع بالقوى الاقليمية والمحلية المعنية بهذه الساحات الى الاندفاع نحو تسويات تعبر عن موازين قوى لا تزال قوى المقاومة فيها قوة غير قابلة للتجاهل، خصوصا ان الحشود الأميركية ومعها خطاب الحرب ومهل للتفاوض لم يترك مجالا للعودة الى المراوحة.
بخلاف ما يقوله كثيرون عن منح ترامب فرصة للتفاوض قبل أخذ قرار الحرب، فان ترامب الذي يعرف نتيجة التفاوض معرفة يقينية يبقي خط التفاوض على صفيح ساخن لنيل أفضل الممكن، بينما يمنح الفرصة لخيار الحرب، خيار يأتيه بأجوبة على أسئلة تتصل بتخفيض التكلفة وزيادة فرص النجاح، وهو يريد ضمان أن أي حاملة من حاملات الطائرات لن تكون معرضة لخطر الاصابة والغرق، لأن خسارة سفينة حربية او أكثر ومئات الجنود مع تحقيق نجاحات كبيرة أمر قابل للاحتواء، أما غرق حاملة على متنها 7 آلاف ضابط وجندي فهذا يفوق قدرة أي رئيس على احتوائه وكارثة تمثل تغييرا نوعيا لا يمكن المخاطرة بحدوثه، وثانيا يريد ترامب ضمان أن الضربات في الأيام الأولى سوف تضمن تدمير النسبة الأهم من قدرات إيران الصاروخية، بحيث لا تستمر الحرب أسابيع وشهور، وبالتالي لا تنهار الدفاعات الاسرائيلية بينما تواصل ايران صب حممها على المنشآت الاستراتيدجية والسكانية الاسرائيلية، والأهم ألا يقفل مضيق هرمز لأكثر من أسابيع قليلة بحيث يمكن احتواء الأزمة الناجمة عن إقفاله حتى إعلان نهاية الحرب، لكن احتمال إقفاله شهور تتحول الى حرب استنزاف فخراب اقتصادي يصيب العالم قد تنهار معه البورصات العالمية وأسواق الطاقة وربما أسواق العملات، أما الأمر الثالث الذي يريد ترامب جوابا عمليا عليه هو الداخل الايراني وكيفية تفاعله مع الحرب، بعيداعن التمنيات والأحلام، فمعرفة من سيقود ايران بعد الحرب هو جوهر الحرب وفيه جواب على البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي القابلين للترميم بعقول ايرانية اذا بقيت ذات الارادة السياسية في سدة القيادة.
ترامب يريد الحرب أكثر مما يريدها نتنياهو، وليس صحيحا أن نتنياهو يضغط لشن الحرب وترامب يتريث لأنه يعطي الفرصة للتوصل الى اتفاق، ومعلوم أن ترامب رضخ في قبول تفاوض بشروط إيران لأنه لم يكن جاهزا للحرب وهو ينتظر قبل أن يقبل باتفاق بشروط ايران جوابا على ان الحرب ممكنة، بتكلفة معقولة ونتائج مضمونة تستحق المخاطرة.
ايران تعرف ذلك وهي لهذا السبب تجعل الاتفاق أكثر اغراء والحرب أشد تعقيدا وكلفة وتسعى لجعل النتائج المطلوبة مستحيلة التحقيق.

