ماركو روبيو يؤكد تغيير الخطاب - نقاط على الحروف - ناصر قنديل 20-12-25 البناء
ماركو روبيو يؤكد تغيير الخطاب
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
لا بد من الاشارة أولا الى ان وزير الخارجية الأميركية ومستشار الأمن القومي الأميركي بالوكالة ماركو روبيو يحسب من صقور ادارة الرئيس دونالد ترامب، باعتباره احد رموز المحافظين الجدد في الادارة الذين يصعب قياس مواقفهم بالبراغماتية كما قد يفعل ترامب نفسه، حيث لا بد للمنطق العقائدي ان يكون حاضرا في حسابات روبيو على خلفية الرؤية التي تعتبر علنا ان مصلحة اسرائيل وامنها هما مصلحة اميركا وامنها، كما لا بد من الاشارة ايضا الى أن كلام روبيو الجديد يتزامن مع مبالغات يتمسك رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو باصدارها بعد كل اجتماع للجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية بين لبنان واسرائيل منذ تعيين السفير السابق سيمون كرم كمدني يترأس الجانب اللبناني المفاوض، وقد وصل الأمر بوصف مكتب نتنياهو للتعيين بالتحول التاريخي والحديث عن اول حدث من نوعه منذ عشرات السنين والتركيز على مفاوضات اقتصادية، بينما كانت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بالتقييم العام ابعد مدى من لجنة الميكانيزم في مقاربة قضايا غير امنية واقتصادية على وجه التحديد بمقاربة ملف النفط والغاز، وهذه المبالغات لا توحي الا بالسعي لتسجيل انتصارات اعلامية والايحاء بتنازلات لبنانية كبيرة لصالح الموقف الاسرائيلي، لاتخاذ ذلك سببا لتبرير التخلي عن شعار التهديد بحرب قيل انها كانت وشيكة، بينما لا يبدو انها كانت وشيكة او أنها كانت ممكنة، كما يتزامن كل ذلك مع احاديث تدور على طاولات المندوبين الذين يزورون بيروت وخصوصا الوفود المصرية والفرنسية محورها استبدال الحديث عن نزع السلاح بتجميده وعن القضاء على حزب الله باحتوائه، وعن تحريض الجيش على قتال المقاومة الى التسليم باستحالة ذلك وعن استعداد اسرائيل لحرب تسحق حزب الله الى الحديث عن استحالة تحقيق ذلك، كما فعل توماس باراك باستبادل مواقفه السابقة بمواقف جديدة لا تشبهها أبدا.
يقول ماركو روبيو “أننا لا نريد أن يستعيد حزب الله قدراته على تهديد إسرائيل”و”نأمل أن تكون في لبنان حكومة قوية وألا يعود حزب الله للسيطرة على الجنوب”، مشددا على “أننا سندعم الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله ونأمل أن تمهد المحادثات بين لبنان وإسرائيل الطريق إلى الأمام وأن تمنع مزيداً من الصراع”، وفي هذا الكلام حسم أمر اعتبار مستقبل سلاح حزب الله شأنا يخص الدولة اللبنانية فإن ذهبت الى نزعه سوف تلقى دعما اميركيا، بعد مواقف واصلت على مدى شهور كانت تحذر الدولة من عدم القيام بذلك وتهدد بحرب اسرائيلية تفعل ذلك إذا لم تفعل الدولة اللبنانية، وفي هذا الكلام لم يعد موضوع نزع السلاح واجهة الموقف، بل حلت مكانه معادلة جديدة هي عدم تشكيل تهديد لإسرائيل وعدم عودة حزب الله الى الجنوب، و التمسك بالمحادثات اللبنانية الاسرائيلية وتحديد هدفها بمنع المزيد من الصراع، وهنا نحن أمام ملامح هدنة طويلة تقوم على تثبيت سيطرة الجيش اللبناني على جنوب الليطاني، و امتناع إسرائيل عن مواصلة اعتداءاتها، وتفعيل الميكانيزم لضمان الهدوء، وما يفرضه كل ذلك من انسحاب اسرائيلي وعودة الأهالي في القرى الحدودية وتسهيل عملية إعادة الإعمار، والأمل بأن يفتح ذلك الباب لقيام الدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، الأمر الذي سوف يلقى دعما أميركيا.
يتزامن هذا التغيير في الخطاب الأمريكي على أعلى مستويات السياسة والأمن في واشنطن التي يمثلها روبيو بصفته كرئيس للدبلوماسية و أيضا بصفته مستشارا للأمن القومي، مع مقدمات مهدت لها مواقف صادرة عن المبعوث الرئاسي توماس باراك، ومع مبادرات دبلوماسية تتم في كنف دول لا يمكن أن تتحرك دون تنسيق مع واشنطن و دون تغطيتها، وكل ذلك بعدما اشترك الجميع خلال شهور ماضية في خلق مناخ سياسي إعلامي ضاغط يضع الأولوية لقيام الدولة بنزع السلاح، ويهدد بالحرب، ويضخ خطابا إعلاميا انتقادا شديد اللهجة للموقف اللبناني ويصفه بالتخاذل تواكبه جوقة محلية تهدد بالحرب، وتحذر من ضياع الفرصة الدولية والاقليمية المؤاتية، وتكثر الكلام عن مواكبة المتغيرات واللحق بالقطار، والمثال الذي قدمه توماس باراك ومورغان اورتاغوس هو التشبه بسورية الشجاعة في التفاوض وملاحقة سلاح المقاومة، إلى أن جاءت الفضيحة بأن ذلك كله لم ينفع بالمقابل في وقف الاعتداءات ولا في منع التوغل واحتلال الأرض، وتبعتها فضيحة أخرى بقيام أحد عناصر الأجهزة الأمنية بقتل ثلاثة جنود أميركيين المكلف بحمايتهم، في عملية اعلن تنظيم داعش المسؤولية عنها، وهو ما لم يحدث مثله مع الجيش اللبناني واجهزة الأمن اللبنانية طوال عقود من العمل المشترك مع الأميركيين.
الجوقة الداخلية عندما أرادت الاستقواء بكلام روبيو تجاهلت الحديث عن أولوية عدم عودة حزب الله الى الجنوب وعدم تشكيله تهديدا لإسرائيل، ونقلت فقط حديث عن تأييد قيام الدولة بنزع سلاح حزب الله وليس مطالبتها بذلك، لكن كل يوم سوف يحمل المزيد من التكذيب لأصحاب الأكاذيب، لأن صمود المقاومة أمام حملات الترهيب، وصمود الدولة عند حدود المصلحة الوطنية، رسما معادلة بدأت تؤتي أكلها، وربما بهذا تحدث بعضهم عن عودة الترويكا حاملا مبخرة كاهن الإصلاح؟
!

