إسرائيل إلى ما قبل العام 1978 - نقاط على الحروف - ناصر قنديل 21-2-26 البناء
إسرائيل إلى ما قبل العام 1978
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
لم تعد تخفي اسرائيل انها لا تقيم اعتبارا لاتفاق وقف إطلاق النار ومن خلفه القرار 1701، وقد قال وزير الحرب في حكومة الاحتلال يسرائيل كاتس كلاما واضحا كذب مزاعم وأزعج كل الذين روجوا إلى أن احتفاظ اسرائيل بالتلال اللبنانية هو جزء من اتفاق وقف إطلاق النار الذي لا يلزم اسرائيل بشيء قبل نزع سلاح المقاومة، فقال كاتس ان الاتفاق لا يمنح اسرائيل ذلك لكنها فرضته بالوقة وحظيت بدعم أميركي بما يكفي بالنسبة لها للبقاء، كما أن إسرائيل لم تعد تقيم حسابا لاجتماعات الميكانيزم وترتيبات الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وهي لذلك غير معنية بكل المناشدات الأوروبية لمراعاة صورة الجيش اللبناني بعيون مواطنيه خلال العمليات الاسرائيلية في منطقة عمليات الجيش، ولا تخفي اسرائيل نواياها عندما تتاح لها الفرصة لاجتياح منطقة عمليات الجيش واليونيفيل وربما بعد رحيل اليونيفيل يكون الوضع صار ملائما لذلك، كما أن اسرائيل ليست متحمسة للانتقال الى التفاوض السياسي الذي يظن كثيرون أنه هدف اميركي اسرائيلي بذاته، بينما تتصرف اسرائيل على أساس أن وظيفة هذا التفاوض هي تكريس اقتطاع جزء من الأرض اللبنانية ومساحة من الامتيازات في المياه والأجواء اللبنانية وان مثل هذه الشرعية لن تجرؤ سلطة لبنانية على منحها الا بعد انهاء سلاح المقاومة، وهذا ما لن تفعله أي سلطة في لبنان وعلى اسرائيل فعله أولا وبعدها تفكر بالخطوة التالية، التي ربما تكون التوسع الجغرافي نحو نهر الليطاني، والتفاوض من بعدها على اتفاق بمقاس يناسب تطلعات اسرائيل لخمسين عام قادمة.
تتصرف إسرائيل على جبهة لبنان وفق المعادلات التي كانت تعتمدها قبل العام 1978 وصولا الى العام 1982، حيث توجد قوى مناوئة لاسرائيل فلسطينية ولبنانية، مع فارق النسب بينها وتغير هيكلية هذه القوى، ولذلك فان على اسرائيل ملاحقة هذه القوى وتدمير بنيتها التحتية وصولا الى العاصمة بيروت، التي كانت تتعرض للقصف بشكل مفاجئ وكانت منطقة الفاكهاني عرضة دائما لغارات غالبا ما تنتهي بإسقاط أبنية كاملة، وقتل عائلات برجالها ونسائها وأطفالها، وتتحدث عن استهداف قيادي في منظمة فلسطينية، في ظل مناخ سياسي لبناني تم ترويضه لقبول فكرة أن ما تفعله إسرائيل ناتج عن وجود مسلح مناوئ لإسرائيل عاجز عن الرد وعن فعل ما يسبب الأذى لإسرائيل، ما ينتج عنه من جهة عدم الشعور بالحاجة لفعل شيء أو مطالبة الدولة بفعل شيء ردا على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ومن جهة موازية تعاظم التيار المنادي بتحييد لبنان عن القضية الفلسطينية، وبالحد الأدنى انهاء الوجود الفلسطيني المسلح، وهو ما قامت به اسرائيل في اجتياح عام 1982، وقد تم وسط مشاركة من فريق لبناني وقبول فريق لبناني آخر وعدم ممانعة من فريق لبناني ثالث، قبل أن يثبت للبنانيين ان اسرائيل جاءت لتبقى لا لتخرج السلاح الفلسطيني وحسب، ويبدأ بعض المقاومين برسم مسار جديد أخذ بالتعاظم على إيقاع ديمومة الاحتلال واتساع جرائمه.
يجري الآن شيء شبيه، في الحساب الاسرائيلي، وفي بعض الحسابات اللبنانية، لكن المشكلة التي تواجه حسابات الفريقين اللبناني والاسرائيلي، هي أن السلاح المزعج يعود لفريق لبناني محتضن من شريحة شعبية واسعة، اثبت مع بيئته إنه قادر على قلب الطاولة، وهو ذات السلاح وهي ذات البيئة، وفقا لتجربة التحرير عام 2000 والمواجهة عام 2006، بمقدرات اقل وشعبية أقل، وهو ذات السلاح وهي ذات البيئة وفقا لتجربة انتفاضة 6 شباط 1984، ورغم التقدير العالي لحكمة القيادة ومحاولتها احتواء الاحتقان المتعاظم في بيئة مناصري المقاومة، يجب الاعتراف بأن حال غليان غير مسبوقة تجتاح هذه البيئة منذ شهور، وبعدما كان هناك تسليم بصواب خيار قيادة الثنائي بالوقوف وراء مؤسسات الدولة، صار الغضب من مؤسسات الدولة ورموزها في مراحل اقرب الى الانفجار، والمطالبة بالرد على الاعتداءات مهما كانت التكلفة بدأت تكتسب المزيد من الشعبية، والكلام الذي يتردد بعد كل مجزرة ماذا تنتظر، انهم يقتلوننا ويقتلون قادة وكوادر وشباب ويبيدون أسرا كاملة ونحن نتفرج ونعد شهداءنا بلا أن نفعل شيئا.
هذا المقال ليس دعوة للرد ولا دعوة للانقلاب على العلاقة مع مؤسسات الدولة، بل دعوة للانتباه إلى أن هناك شيء يتغير بسرعة، لا يمكن انكاره ولا تجاهله، وعلى سبيل المثال، الجنوبيون والبقاعيون المتعاطفون كثيرا مع ما حل بأبناء طرابلس من كارثة مع تساقط الابنية المتصدعة، يتساءلون لماذا لم يقف الوزراء والرؤساء مرة دقيقة صمت مرة واحدة عن ارواح شهدائنا، ولماذا لا يجدون مالا لتخصيصه لإيواء مهجرينا الذين دمرت بيوتهم ويبات كثيرون منهم في سياراتهم؟
الكل يجب أن يخشى انفجار هذه المشاعر التي لا تزال إلى اليوم همسا مكبوتا، لكنها في لحظة قد تصبح صراخا غاضبا، والسؤال ماذا ننتظر لنبدأ بالاعتراف بأننا أمام اسرائيل التي تنفذ خطة التمهيد لاجتياح جديد للبنان ونحو بيروت أيضا، وماذا ننتظر لنناقش كيف نتصرف دولة ومقاومة وسياسيين ونخب تدعي روح المسؤولية الوطنية، ومتى يمكن للدول أن تضع استراتيجية للدفاع الوطني إذا لم تفعل ذلك في مثل الحالة التي نعيشها اليوم والتي قد تصبح خطرا وجوديا غدا؟

