عودوا إلى الميكانيزم بدل الذهاب الى واشنطن - نقاط على الحروف - ناصر قنديل 19-6-26 البناء
عودوا إلى الميكانيزم بدل الذهاب الى واشنطن
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
تواجه السلطة اللبنانية لحظة سياسية مفصلية تفرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها ومراجعة المقاربات التي حكمت أداءها خلال الأشهر الماضية. طالما أن المسار الذي اختارت السير فيه عبر الذهاب إلى التفاوض برعاية أميركية كان يقوم على فرضية واضحة تقول إن الطريق إلى وقف الحرب وتأمين الانسحاب الإسرائيلي يمر عبر واشنطن، وإن الولايات المتحدة وحدها تملك القدرة على توفير المخرج السياسي الذي يحقق هذين الهدفين، وان رصيدها ومن يدعمها لدى واشنطن سوف يتكفل بذلك، لكن التطورات الأخيرة، وما نتج عن التفاهم الأميركي الإيراني، يطرحان مفهوما مختلفا يقوم على أن ما استطاعته إيران وفق ذات منطق الضغط على واشنطن حقق ما فشلت السلطة في تحقيقه عبر رهانها على التفاوض، ويطرح بالتالي السؤال، ماذا بقي من وظيفة هذا التفاوض بعدما تبنت واشنطن نفسها نصاً يقوم على الانسحاب الإسرائيلي الشامل ووقف إطلاق النار الشامل؟
الأهم أن السلطة اللبنانية ليست مضطرة اليوم للدفاع عن مخرجات مسار واشنطن أو اعتبارها مرجعية ملزمة، لأنها لم تقل يوماً إن الاتفاق الذي نتج عن التفاوض في واشنطن كان اتفاقاً جيداً أو مثالياً، بل قدمته على الدوام بوصفه «أفضل الممكن» في ظل موازين القوى القائمة. والحال أن هذا الاتفاق قام عملياً على معادلة بالغة الخطورة تفرض وقف النار والانسحاب على المقاومة ولبنان، بينما تغض النظر عن استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وتترك معالجتها لمفاوضات مفتوحة بلا سقف زمني ولا ضمانات تنفيذية. وقد ترتبت على هذه الصيغة نتائج كارثية دفع لبنان أثمانها أمناً وسيادة واستقراراً. أما وقد جاء التفاهم الأميركي الإيراني بنص يتحدث عن وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي شامل، فإن ما كانت السلطة تعتبره «أفضل الممكن» بات وراءها تحت عنوان أسوأ الممكن، وجاء ما هو أفضل منه وأكثر انسجاماً مع المصلحة اللبنانية. ومن هنا تصبح العودة إلى التفاوض على ما هو أدنى من هذا السقف تراجعاً غير مفهوم عن مكسب سياسي تحقق، لا سعياً واقعياً لحماية المصالح اللبنانية.
المسألة هنا لا تتصل بالموقف من إيران حبا او كراهية، ولا بالموقف من الدور الإيراني في المنطقة تأييدا أو مخالفة، ولا حتى بالخلافات اللبنانية الداخلية حول هذا الدور. لأن السلطة التي بنت خياراتها على الرهان الأميركي لم تكن تعتبر إيران مرجعاً سياسياً يمكن الركون إليه، بل كانت تنظر إلى واشنطن بوصفها المرجع القادر على إنتاج الحلول. وعندما تنتقل واشنطن نفسها إلى تبني مقاربة تقوم على وقف النار الشامل والانسحاب الشامل، يصبح من الطبيعي أن تعيد السلطة النظر في وظيفة التفاوض الذي كانت تخوضه، وتدرك محدودية قدرتها على توفير الضمانات اللازمة للتأثير على موقف واشنطن مقارنة بأدوات التأثير الايرانية التي صارت نصا ملموسا وموثقا، طالما أن الهدف المعلن لهذا التفاوض قد تحقق نظرياً في النص الجديد.
تبدو الأولوية اللبنانية اليوم في مكان آخر. بدلاً من العودة إلى طاولة التفاوض للبحث مجدداً في مضمون ما تم الاتفاق عليه، أو توفير مخارج سياسية تسمح لإسرائيل بتخفيف مفاعيل النص الذي فرضته موازين القوى الجديدة وقبلت به الولايات المتحدة، يصبح من مصلحة لبنان التمسك بالنص كما هو والسعي إلى توفير الآليات العملية لتنفيذه. لأن الخطر لا يكمن في نقص النصوص، بل في محاولات الالتفاف عليها وافراغها من مضمونها عبر إدخال شروط جديدة أو ربط التنفيذ باستحقاقات إضافية لم ترد فيها.
الأولوية الأولى يجب أن تكون إعادة الاعتبار إلى الآلية التنفيذية القائمة أصلاً، أي لجنة متابعة وقف إطلاق النار المنبثقة عن تفاهم عام 2024، والمعروفة بالميكانيزم. فهذه الآلية أنشئت أساساً لمعالجة القضايا التنفيذية المتعلقة بوقف النار والانتشار العسكري والرقابة الميدانية، وهي تملك الصلاحيات والقدرات التي تسمح بمتابعة الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني ومراقبة الالتزام المتبادل بوقف الأعمال العسكرية. وإذا كان الهدف اليوم هو تنفيذ الانسحاب وتثبيت وقف النار، فإن الميكانيزم يبدو الإطار الطبيعي للقيام بهذه المهمة.
أما جلسات التفاوض السياسية، فلا شيء يمنع تأجيلها إلى مرحلة لاحقة بعد تحقيق الانسحاب الكامل وانتهاء الاحتلال. ذلك أن الذهاب إلى التفاوض الآن لا يخدم أولوية لبنانية ملحة، بل يؤسس للتحول إلى منصة لإعادة فتح النقاش حول قضايا جرى تجاوزها في التفاهمات الجديدة، أو لإدخال لبنان في عملية مساومة على حقوقه قبل استعادتها. والأسوأ من ذلك أن بعض الطروحات التي يجري الترويج لها، من نوع الانتقال إلى البحث في إعلان زوال حال العداء أو الترتيبات السياسية اللاحقة، تعني عملياً دفع أثمان سياسية مجانية قبل تنفيذ الاستحقاق الأول والأساسي المتمثل بإنهاء الاحتلال.
بعد الانسحاب يصبح لكل حادث حديث. عندها يمكن فتح حوار لبناني داخلي جدي بين الدولة والمقاومة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية ومناقشة مستقبل المعادلات الأمنية والدفاعية ومقاربة ملف السلاح في ضوء الوقائع الجديدة. أما قبل الانسحاب فإن أي محاولة لربط هذا الملف بتنفيذ الانسحاب تمثل انقلاباً على منطق التسلسل الطبيعي للأحداث، ولهذا يجب التحذير منذ الآن من المحاولة الإسرائيلية الواضحة للالتفاف على التفاهم الأميركي الإيراني عبر إعادة إنتاج معادلة تربط الانسحاب بنزع سلاح المقاومة. فمثل هذا الربط لا يؤدي عملياً إلى تحقيق الانسحاب، لأن الجميع، في لبنان وخارجه، يدرك أن مسألة السلاح ليست قابلة للحسم بقرارات أو شروط إسرائيلية، ولا يمكن فرضها كشرط مسبق لإنهاء الاحتلال. وعندما يصبح الانسحاب مشروطاً بنزع السلاح، فإن النتيجة الفعلية هي قبول ضمني ببقاء الاحتلال إلى أجل غير معلوم.
الأخطر أن هذه المقاربة تنقل المشكلة من كونها مشكلة إسرائيلية أميركية تتعلق بإلزام إسرائيل بتنفيذ موجبات الانسحاب ووقف النار، إلى تحويلها إلى مشكلة لبنانية داخلية. فبدلاً من أن يكون السؤال المطروح على واشنطن هو ماذا ستفعل لإلزام إسرائيل بتنفيذ ما وافقت عليه، يصبح السؤال المطروح على السلطة اللبنانية هو ماذا ستفعل لنزع سلاح المقاومة. وهكذا يجري إعفاء إسرائيل من مسؤولياتها وتحويل الأنظار إلى الداخل اللبناني.
لهذا تبدو الأولوية الوطنية اليوم واضحة: التمسك بنص الانسحاب الشامل ووقف النار الشامل، تفعيل الميكانيزم بوصفه الإطار التنفيذي الطبيعي، تأجيل أي مفاوضات سياسية غير ضرورية إلى ما بعد إنهاء الاحتلال، ورفض أي محاولة لربط الانسحاب بقضايا داخلية لبنانية. فلبنان لا يحتاج اليوم إلى تفاوض جديد على ما تم الاتفاق عليه، بل إلى إرادة سياسية تحمي ما تحقق وتمنع تحويله إلى فرصة جديدة لإنقاذ إسرائيل من استحقاقات الهزيمة والانسحاب.


سلام غزة و القدس عليكم - العزة والنصر حليف محورالمقاومة وحلفاءها والذلة والعار لمحور الشر وجماعة أبستين (امريكا و بريطانيا وفرنسا وتركيا وقطر والامارات و دول الناتو والنازية الجديدة والماسونية والصهيونية و أسرائيل) وحلفاءه
بدك مين يفهم ويوقف الانبطاح