الناقلات تحكم على الحرب... لا البيانات العسكرية - التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل 18-726 البناء
الناقلات تحكم على الحرب... لا البيانات العسكرية
التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل
لا تُقاس الحروب التي تُشنّ لحماية طرق التجارة بعدد الغارات المنفذة، ولا بعدد المواقع التي أُعلن تدميرها، بل بقدرتها على تحقيق الغاية التي قامت من أجلها. وإذا كانت الحملة العسكرية الأميركية قد انطلقت تحت عنوان ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، فإن معيار نجاحها أو فشلها لا يكمن في البيانات العسكرية، بل في سؤالين يقدمان الجواب الحقيقي، كم ناقلة نفط اقتنعت بأن إيران فقدت قدرتها على التأثير في أمن المضيق فعادت إلى العبور بصورة طبيعية؟ وكيف استجابت أسواق الطاقة والأسهم لهذا الاقتناع؟
حتى الآن، لا تمنح الوقائع التي تنشرها المراجع المتخصصة والمحايدة هذا الحكم. فقد بقيت حركة الناقلات دون مستوياتها الطبيعية، وقد بلغ عدد السفن التي عبرت مس ثلاثة سفن فقط ليس بينها أي ناقلة نفط، وبلغ مجموع حمولات النفط التي عبرت بها الناقلات العملاقة مضيق هرمز خلال أسبوع العمليات 10 ملايين برميل فقط، أي أقل من حمولة يوم واحد بعد مذكرة التفاهم، والملفت أن أغلبها يعود لإيران قبل عودة حصار الموانئ الايرانية، واستمرت شركات الشحن والتأمين في التعامل مع المضيق باعتباره منطقة عالية المخاطر،ولم يكن سلوك السوق انعكاساً للبيانات العسكرية، بل لتقدير أصحاب الأموال بأن القدرة الإيرانية على التأثير في أمن الملاحة لا تزال فاعلة، وأن أي ناقلة تعبر المضيق لا تزال تواجه خطر الاستهداف.
أعطت سوق النفط الإشارة الأكثر وضوحاً. فبدلاً من أن تعود الأسعار إلى مستويات ما قبل التصعيد، ارتفع خام برنت من نحو 72 دولاراً عند بداية الجولة الحالية إلى ما يقارب 88 دولاراً للبرميل، أي بزيادة تجاوزت 20% خلال أسبوع واحد، ولم يكن هذا الارتفاع نتيجة نقص فعلي في الإمدادات بقدر ما كان انعكاساً لعودة المخاطر الجيوسياسية إلى الأسعار. ولو كانت الأسواق قد اقتنعت بأن الحملة العسكرية نجحت في إعادة السيطرة المطمئنة على أمن هرمز، لكان الاتجاه المعاكس هو المتوقع، أي انخفاض الأسعار وتراجع علاوات التأمين، لا استمرارها في الارتفاع.
أما البورصة الأميركية، فقدمت مؤشراً مختلفاً. فلم تشهد وول ستريت انهياراً يدفع الإدارة الأميركية إلى التعجيل بالبحث عن مخرج سياسي، بل بقيت التراجعات محدودة، ودارت في معظم الجلسات حول نصف نقطة مئوية، مع هبوط بلغ نحو 0.6% لمؤشر داو جونز، و0.9% لمؤشر S&P 500، و1.2% لمؤشر ناسداك في أحدث جلسات التداول.
وتبدو هذه الصورة أكثر وضوحاً عند مقارنتها بما سبق ولادة مذكرة التفاهم السابقة، حين اقتربت خسائر مؤشر S&P 500 خلال ذروة القلق من 3% قبل أن ترتد سريعاً مع ظهور مؤشرات التسوية، بينما هبط النفط آنذاك بمجرد ترسخ الاعتقاد بأن خطر تعطيل الملاحة يتراجع. أما اليوم، فالوضع معكوس؛ البورصة ما زالت صامدة نسبياً لكنها تدخل منطقة الاضطراب، لكن سوق النفط لا تزال تبني التسعير على المخاطر، و حركة الناقلات لم تعد إلى إيقاعها الطبيعي.
وتقود هذه المقارنة إلى خلاصة مهمة.حيث الأسواق المالية لم تصل حد التدخل في فرض تسوية عاجلة على واشنطن، لأن الاقتصاد الأميركي لم يتعرض لصدمة تدفع المستثمرين إلى الهروب الجماعي من الأسهم. لكن جرس لانذار بدأ يقرع في البورصة، بينما سوق الطاقة، في المقابل، لم يمنح الحملة العسكرية شهادة نجاح. طلما يواصل سعر النفط خط الصعود، وشركات الملاحة لا تزال حذرة، والناقلات لم تعد تتصرف كما لو أن إيران خرجت من معادلة أمن المضيق.
يبقى الحكم الحقيقي بعيداً عن المؤتمرات الصحافية والبيانات العسكرية. فالطرف الذي يقرر نجاح الحرب أو فشلها ليس وزارة الدفاع الأميركية بل أصحاب السفن وشركات التأمين والمتعاملون في أسواق الطاقة. وهؤلاء لم يصوتوا حتى الآن لمصلحة الفرضية القائلة إن الحملة العسكرية نجحت في انتزاع ورقة هرمز من يد إيران، بل ما زالوا يتصرفون على أساس أن أمن المضيق لم يتحول بعد إلى حقيقة مستقرة، وأن أي تسوية مستدامة لا تزال تحتاج إلى حل سياسي، لا إلى مزيد من الضربات العسكرية.

