اسرائيل وحالة الإنكار - التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل 12-5-26 البناء
اسرائيل وحالة الإنكار
التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل
تبدو إسرائيل اليوم أمام مشهد مزدوج ومعقد في الحرب على لبنان: الاختباء وراء تفوق ناري يدمر ويقتل ويهجر من جهة، مقابل تصاعد الشكوك داخل المؤسسة العسكرية والإعلامية وحتى لدى قادة المستوطنات حول معنى هذا التقدم وحدوده السياسية والعسكرية من جهة أخرى، مع تصاعد الشعور بالفشل في مواجهة المقاومة التي يقودها حزب الله والتي عادت بمفاجأة القوة والاقتدار وتبدو كمن يمسك دفة المبادرة.
ففي استطلاعات الرأي التي نُشرت خلال أيار 2026، أظهرت القناة 12 الإسرائيلية أن نحو 79% من الإسرائيليين يؤيدون استمرار الحرب في لبنان، فيما أظهرت استطلاعات أخرى أن غالبية الإسرائيليين ترفض العودة إلى ما قبل الحرب وتعتبر التراجع الآن بمثابة هزيمة أمام حزب الله. لكن هذه الاستطلاعات نفسها كشفت مفارقة لافتة: أغلبية واسعة تؤيد الحرب، لكنها لا تبدو واثقة من قدرة هذه الحرب على إنتاج “أمن دائم” أو إزالة التهديد بالكامل عن الجليل.
هذه الفجوة بين الدعم الشعبي وبين الشك في النتائج تظهر بصورة أوضح داخل الإعلام والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية. ففي صحيفة هآرتس كتب المحلل العسكري عاموس هرئيل خلال الأيام الأخيرة أن الجيش يواجه “استنزافًا بلا أفق واضح”، محذرًا من العودة التدريجية إلى نموذج “المنطقة الأمنية” الذي سبق انهياره عام 2000. كما تحدث عن أن المسيّرات الهجومية لحزب الله تحولت إلى تحدٍّ لا يملك الجيش حلاً سريعًا له.
وفي يديعوت أحرونوت كتب رون بن يشاي أن العمليات الجارية، خصوصًا حول بنت جبيل، تحمل طابع “الإنجاز الرمزي” أكثر من كونها حرب حسم نهائي، مشيرًا إلى أن حزب الله ما زال قادرًا على المناورة والقتال رغم حجم التدمير الهائل.
أما رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، فرغم تأكيده خلال جولاته الميدانية أن الجيش “مستعد للعودة إلى القتال في أي لحظة”، فإن هذه اللغة فُهمت داخل إسرائيل إقرارا ضمنيا بأن الحرب لم تحقق الحسم الذي وُعد به الإسرائيليون، وأن المؤسسة العسكرية تستعد لحرب طويلة أو لاستنزاف ممتد.
وفي القنوات العبرية، خصوصًا القناة 12 والقناة 13، بدأ ضباط احتياط ومعلقون عسكريون يطرحون سؤالاً بات يتكرر بقوة: إذا كانت المسيّرات والصواريخ ما زالت تضرب، وإذا كانت القوات الإسرائيلية تتعرض للإصابات داخل المواقع المستحدثة جنوب لبنان، فهل تحقق أصلًا هدف “إزالة التهديد عن الشمال”؟
الأكثر دلالة كان الحديث المتزايد داخل الإعلام الإسرائيلي عن أن “نزع سلاح حزب الله ليس مهمة الجيش”. هذا التعبير الذي تكرر على ألسنة محللين وضباط سابقين يعكس انتقالًا تدريجيًا من خطاب “القضاء على حزب الله” إلى خطاب “إدارة الخطر واحتوائه”. فحتى إقامة منطقة أمنية أو التوغل داخل القرى الجنوبية لا يعنيان عمليًا تفكيك البنية الصاروخية والمسيّرات أو إنهاء قدرة الحزب على إعادة التموضع.
في المقابل، يواصل المستوى السياسي الإسرائيلي رفع سقف الخطاب. بنيامين نتنياهو ووزير الحرب إسرائيل كاتس يؤكدان أن العودة إلى ما قبل الحرب “مستحيلة”، ويتحدثان عن ضرورة فرض واقع أمني جديد في الجنوب اللبناني. لكن حتى داخل هذا الخطاب بدأ يظهر تحول من الحديث عن “القضاء على التهديد” إلى الحديث عن “منع التموضع” و”إدارة منطقة أمنية”.
أما قادة المستوطنات الشمالية، فقد تحولوا خلال أيار إلى أحد أبرز مؤشرات القلق داخل إسرائيل. رؤساء المجالس المحلية في المطلة وكريات شمونة والجليل الأعلى أكدوا في مقابلات مع القنوات العبرية أن السكان لا يشعرون بأن الأمن تحقق فعلاً، وأن استمرار المسيّرات والإنذارات يجعل الحديث عن عودة طبيعية للحياة سابقًا لأوانه. بعضهم ذهب أبعد من ذلك محذرًا من “الغرق في شريط أمني جديد” يشبه تجربة ما قبل عام 2000.
وهكذا تبدو إسرائيل اليوم أمام معادلة متناقضة: تأييد شعبي واسع لاستمرار الحرب، لكن مع تزايد الاعتراف داخل المؤسسة العسكرية والإعلامية بأن التفوق الناري لا يترجم تلقائيًا إلى حسم سياسي أو أمني نهائي، وأن الحرب تتجه أكثر فأكثر نحو نموذج استنزاف طويل، الأمر الذي يفسر بالتوازي تصاعد الحديث عن وقف نار مضبوط، وضمانات أميركية، وترتيبات إقليمية ودولية قد تتحول تدريجيًا إلى المخرج الواقعي الوحيد من مأزق الحرب المفتوحة.
لذلك يمكن القول إن إسرائيل تعيش حاليًا: “مرحلة انتقال بين التعبئة والإنكار وبين بداية الواقعية القلقة”.أي أن المزاج العام لا يزال يريد تصديق أن استمرار القوة سيؤدي في النهاية إلى الحسم، بينما تتزايد داخل النخب الأمنية والعسكرية مؤشرات تقول: قد نصل في النهاية إلى تسوية وإدارة خطر، لا إلى نصر نهائي كما جرى الوعد به في البداية، وهنا تتحدث القيادة السياسية وعلى رأسها نتنياهو عن فرصة يوفرها التفاوض المباشر مع الحكومة اللبنانية برعاية أميركية لاختبار فرصة الخيارات المعتمدة في الضفة الغربية بتوظيف السلطة الفلسطينية بتعاون أمني مع الاحتلال بوجه فصائل المقاومة.


أحسنت النشر والقول – سلام غزة و القدس عليكم - العزة والنصر حليف محورالمقاومة وحلفاءها والذلة والعار لمحور الشر وجماعة أبستين (امريكا و بريطانيا وفرنسا وتركيا وقطر والامارات و دول الناتو والصهيونية و أسرائيل) وحلفاءه