مقدمة مانشيت 12-3-26 البناء
وساطات روسية صينية مصرية تركية…وإيران تشترط حلا شاملا ينهي الحرب
زوارق ايرانية تستهدف ناقلتي نفط في هرمز…وسقوط كلام ترامب ووعوده
تجاهل أميركي يسقط المبادرة الرئاسية…والمقاومة تعيد رسم الصورة في الميدان
كتب المحرر السياسي
ثلاثة مسارات متداخلة ترسم ملامح المرحلة: مسار الوساطات الدولية التي تتحرك لوقف الحرب وسط تلميحات من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقرب انتهاء الحرب “لأنه لم يعد هناك شيء في ايران لنقوم بضربه”، ومسار المواجهة في مضيق هرمز وما حمله من تداعيات اقتصادية عالمية، خصوصا بعد قيام زورقين مفخخين من البحرية الإيرانية باستهداف ناقلتي نفط عملاقتين واندلاع النيران فيهما، ومسار الجبهة اللبنانية حيث سقطت المبادرة الرئاسية تحت ضغط الرفض الأميركي والإسرائيلي واستمرار المواجهات العسكرية.
في المسار الأول، تكثفت خلال الأيام الأخيرة الوساطات الدولية بصورة لافتة. فقد أعلنت موسكو عبر وزارة خارجيتها عطفا على الاتصال الهاتفي الذي اجراه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن روسيا “تجري اتصالات مكثفة مع جميع الأطراف لمنع اتساع الحرب في الخليج”، مؤكدا أن الحل يجب أن يكون سياسياً. وفي بكين، دعت وزارة الخارجية الصينية إلى “وقف التصعيد وضمان أمن الملاحة في الخليج”، مؤكدة أن الصين تتواصل مع عواصم المنطقة لمنع انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع تهدد استقرار أسواق الطاقة. كما أعلن وزير الخارجية التركي حاقان فيدان أن أنقرة تجري اتصالات مع طهران وواشنطن وعدة عواصم إقليمية “لتجنب توسع الحرب وتهيئة أرضية لوقفها”. وفي القاهرة أكدت وزارة الخارجية المصرية أن الاتصالات مستمرة مع أطراف الأزمة “من أجل وقف التصعيد وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز”.
طهران لم تهرول لتلقف هذه المبادرات، بل تعاملت معها من منطلق قرارها بان المطلوب إنهاء الحرب لا مجرد وقف إطلاق النار. فقد أكد مسؤولون إيرانيون أن إيران لا تبحث عن وقف إطلاق نار مؤقت بل عن إنهاء كامل للحرب. وفي هذا السياق قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن “أي مبادرة يجب أن تقود إلى إنهاء الحرب وليس إلى هدنة مؤقتة تعيد إنتاج أسبابها”. كما شدد على أن أمن الخليج يجب أن يكون بيد دول المنطقة وحدها. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن الرؤية الإيرانية المطروحة في الوساطات تشمل تسوية شاملة تتناول البرنامج النووي وملف العقوبات والضغوط المرتبطة بالبرنامج الصاروخي وترتيبات الأمن الإقليمي في الخليج، إضافة إلى تثبيت السيادة الإيرانية في مضيق هرمز وقيام نظام أمني إقليمي بلا قواعد عسكرية أجنبية.
أما المسار الثاني فيدور حول مضيق هرمز الذي تحول إلى مركز الاشتباك الأخطر في الحرب. بعدما أعادت الهجمات التي طالت ناقلات النفط طرح سؤال أمن الملاحة الدولية وأسقطت عملياً الوعود التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما أعلن أن البحرية الأميركية قادرة على ضمان عبور آمن للسفن. وكان ترامب قد قال إن القوات الأميركية “قضت على القوة البحرية الإيرانية التي تهدد الملاحة”، مؤكداً أن السفن التجارية ستعبر المضيق بأمان. لكن الوقائع التي تلت هذه التصريحات أظهرت استمرار الهجمات على ناقلات النفط وظهور الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري الإيراني في مسرح العمليات.
في المقابل، أكد قادة الحرس الثوري الإيراني أن أمن الملاحة في هرمز “لا يمكن فصله عن أمن إيران في الخليج”. وقال قائد البحرية في الحرس الثوري إن “أي محاولة لفرض ممرات بحرية بالقوة ستواجه برد مباشر”. كما أعلن المتحدث باسم الحرس الثوري أن إيران “قادرة على التحكم بمستوى الأمن في المضيق وفق ما تفرضه تطورات الحرب”. هذه الوقائع دفعت الاقتصاد العالمي إلى الدخول مباشرة في معادلة الحرب، ومع تصاعد المخاوف من اضطراب الإمدادات بدأت عواصم اقتصادية كبرى تضغط باتجاه تسوية سريعة للأزمة، بعدما أصبح أمن المضيق عاملاً مؤثراً في استقرار الأسواق العالمية.
أما المسار الثالث فيتعلق بالساحة اللبنانية حيث سقطت المبادرة الرئاسية في ظل تجاهل أميركي ورفض إسرائيلي واضحين. فقد تمسكت واشنطن وتل أبيب برفض أي نقاش حول وقف إطلاق النار وربطتا أي حوار مع الدولة اللبنانية بشرط مسبق هو نزع سلاح المقاومة أولاً. هذا الموقف عبّر عنه مسؤولون إسرائيليون بصورة صريحة بعدما تورط رئيس الجمهورية بمبادرة لا تتضمن ما تضمنه القرار 1701 باشتراط الانسحاب الإسرائيلي قبل أي تفاوض، . فقد قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إن “الحرب في الشمال لن تتوقف قبل إزالة التهديد الصاروخي بالكامل”. أما رئيس الأركان إيال زامير فقال إن الجيش الإسرائيلي “سيواصل العمليات حتى يتم تحييد قدرة حزب الله على تهديد الجليل”.
في الداخل اللبناني، سقطت المبادرة ، بعدما ظهرت كامتداد لنهج التنازلات المجانية عن الثوابت اللبنانية، حيث اعتبرت شخصيات سياسية أن النص تضمن إشارات إلى الاستعداد للتفاوض على مسائل تتصل بالسيادة اللبنانية، خصوصاً بعد إسقاط شرط الانسحاب الإسرائيلي المسبق من الأراضي المحتلة، وهو الشرط الذي يشكل أساس القرار الدولي 1701. وبذلك رأى هؤلاء أن المبادرة وجهت ضربة للمرجعية التي طالما تمسك بها لبنان في مطالبة إسرائيل بتنفيذ القرار قبل أي ترتيبات أخرى.
على الأرض، أظهرت الوقائع الميدانية أن الغارات الجوية الإسرائيلية المكثفة على الضاحية الجنوبية وعلى مناطق واسعة من الجنوب لم تتمكن من وقف إطلاق الصواريخ. فقد شهد يوم أمس موجات صاروخية ضخمة للمقاومة تضمنت إحداها 100 صاروخ خلال بضعة دقائق رافقتها 20 طائرة مسيرة ما أثار الذعر في مستوطنات الشمال ورفع منسوب النقمة على الحكومة وقيادة الجيش كما نقلت القنوات العبرية، وجاءت الموجات المتتالية من الرشقات الصاروخية باتجاه شمال فلسطين المحتلة، بالتزامن مع مواجهات برية محدودة في بعض محاور الجنوب في ظل محاولات محدود للتقدم البري لا تناسب حجم الحشد المعلنة لقوات الاحتلال، وتشير تقديرات عسكرية إسرائيلية إلى أن استمرار إطلاق الصواريخ يعكس تعاظم القدرة النارية للمقاومة رغم الضربات الجوية ما يشير إلى فشل استخباري واضح
.

