الممر البحري مقياس النصر والهزيمة - التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل 12-3-26 البناء
الممر البحري مقياس النصر والهزيمة
التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تمرّ منه ناقلات النفط، بل تحوّل خلال الأيام الأخيرة إلى محور الحرب نفسها. فالمعركة لم تعد تدور فقط حول الصواريخ أو الطائرات، بل حول سؤال أكثر عمقاً: من يملك القدرة على التحكم بشريان الطاقة العالمي؟. هنا تحديداً يتشكل معيار النصر والهزيمة. فمن ينجح في تحييد المضيق عن الحرب يضمن استقرار الاقتصاد العالمي، ومن يحوله إلى ساحة ضغط يمتلك ورقة استراتيجية تتجاوز حدود الميدان العسكري.
منذ بداية التصعيد أعلنت الولايات المتحدة أن الملاحة في المضيق ستبقى آمنة وأن قواتها البحرية قادرة على ضمان عبور الناقلات دون عوائق. وفي هذا السياق جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي قال فيها إن البحرية الإيرانية انتهت وإن الناقلات تستطيع العبور بأمان. كان الهدف واضحاً: تثبيت صورة أن واشنطن نجحت في تحييد المضيق عن الحرب ومنع طهران من استخدامه كسلاح اقتصادي.
في المقابل، ركّزت التصريحات الإيرانية منذ البداية على فكرة مختلفة تماماً. فقد أعلن قادة الحرس الثوري أن أمن الملاحة في الخليج مرتبط بأمن إيران، وأن أي محاولة لفرض السيطرة العسكرية على المضيق ستجعل المنطقة كلها ساحة مواجهة. هذا الخطاب لم يكن مجرد موقف سياسي، بل إعلان عن عقيدة عسكرية تقوم على تحويل المضيق إلى أداة ضغط استراتيجية في حال توسعت الحرب.
الوقائع التي ظهرت خلال الأيام الماضية تعطي مؤشرات واضحة على مسار الصراع. فالمضيق الذي قيل إنه أصبح آمناً وتفاعل سوق النفط مع نظرية الأمن فيه بالعودة الى أسعار منخفضة للنفط، سرعان ما شهد استهداف ناقلتين، في حادثة أعادت فوراً إلى الأذهان مفهوم “حرب الناقلات”. هذه الواقعة لم تكن مجرد حادث بحري، بل رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد. فالممر الذي يعبره يومياً ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية لا يحتاج إلى إغلاق كامل كي يتحول إلى عامل اضطراب اقتصادي؛ يكفي أن يصبح العبور فيه محفوفاً بالمخاطر حتى ترتفع أسعار التأمين وتتراجع حركة السفن.
حاولت الولايات المتحدة تثبيت معادلة تقول إن الحرب يمكن أن تبقى محصورة في الجبهات العسكرية دون أن تصل إلى شريان الطاقة العالمي. أما إيران فعملت على إثبات العكس: أن المضيق جزء من الحرب وليس خارجها. وبين المعادلتين تظهر النتيجة الأولية حتى الآن: واشنطن لم تنجح في تحييد هرمز كما وعد رئيسها والبحرية الايرانية ظهرت فاعلة بأبهى حللها بعدما قام الرئيس الأميركي بنعيها وقال انها انتهت، بينما استطاعت طهران أن تثبت أن هذا الممر يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط فعّالة.
من الناحية العسكرية ثبت أن إيران لا تحتاج إلى السيطرة البحرية الكاملة كي تحقق هذا الهدف. فالمضيق ممر ضيق، وأي تهديد محدود – سواء بصاروخ ساحلي أو زورق سريع أو لغم بحري – يكفي لجعل الملاحة فيه عالية المخاطر. لذلك فإن معركة هرمز ليست معركة أساطيل تقليدية بقدر ما هي معركة قدرة على تهديد الممر.
التصريحات الأميركية الأخيرة حاولت التقليل من أهمية هذه التطورات، لكن الواقع الاقتصادي يتفاعل بسرعة أكبر من الخطاب السياسي. فكل حادثة في المضيق تنعكس فوراً على أسواق النفط وأسعار الشحن والتأمين. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل أُغلق المضيق أم لا؟ بل أصبح: هل بقي ممراً آمناً بما يكفي ليعمل بصورة طبيعية؟
المشهد الحالي يشير إلى أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة، حيث يتحول الاقتصاد العالمي نفسه إلى جزء من ميدان المواجهة. وإذا استمر الضغط على الملاحة في هرمز، فإن الصراع قد ينتقل تدريجياً من مواجهة عسكرية مباشرة إلى حرب اقتصادية عالمية غير مباشرة، يكون وقودها الطاقة وأسواقها.
مضيق هرمز لم يعد مجرد تفصيل جغرافي في هذه الحرب، بل أصبح مفتاح تفسير نتائجها. فإذا تمكنت الولايات المتحدة من إعادة الاستقرار الكامل للملاحة فيه فستكون قد نجحت في تحييد أهم أوراق الضغط الإيرانية وتستطيع الاستعداد لإعلان نصرها. أما إذا بقي المضيق ساحة تهديد مستمر، فإن ذلك يعني أن إيران نجحت في إدخال خناق الاقتصاد العالمي إلى قلب المعركة، وهو تطور قد يعيد رسم توازنات الحرب في الأسابيع المقبلة بحيث يصبح فتح المضيق قضية عالمية أولى، وهو أمر لا يتم دون اتفاق مع إيران يجب تسديد فاتورته لحساب الاعتراف بمطالبها فيما يخص ملفها النووي وبرنامجها الصاروخي و هذه هي شروط الاستجابة المعلنة.

