الحروب غير المنتهية مأزق ترامب ونتنياهو - نقاط على الحروف - ناصر قنديل 12-2-26 البناء
الحروب غير المنتهية مأزق ترامب ونتنياهو
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
يمكن الحصول على مثال بعيد عن حروب الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لحروب غير منتهية، يتباهى أصحابها على طريقة ترامب ونتنياهو بالحسم وتحقيق النصر فيها، بالرغم من أن في هذا المثال بعض من ترامب وبعض من نتنياهو، والمقصود حرب الحكومة السورية ومن خلفها تركيا طبعا على قوات سورية الديمقراطية، حيث كانت الحرب بضوء أخضر أميركي وسماح اسرائيلي لتمكين الحكم في تركيا وحكومة سورية من الاطمئنان الى عدم نشوء كيان كردي موحد في المنطقة يفكك دولها، في ضوء ظهور الاستثمار الأميركي الاسرائيلي على دور أكراد إيران و العراق في الحرب مع إيران.
حازت تركيا ودمشق صورة نصر، لكن في الحقيقة احتفظ الأكراد بأمرين، مساحة جغرافية أصغر من السابق بكثير يمارسون عليها سلطتهم الذاتية بأدوات أمنية مستقلة عن حكومة دمشق، لكنها ترفع راية الحكومة شكلا، هي مناطق الغالبية الكردية بعدما خسروا المناطق ذات الغالبية العربية والمناطق النفطية وتقلصت جغرافية الحكم الذاتي الى الربع، لكنها لم تسقط، وبقيت النواة الصلبة الصالحة للتوسع في أي ظرف لاحق مناسب، كما بقيت النواة العسكرية الصلبة في تشكيل مستقل تحت مسمى فرقة عسكرية كردية مكونة من ألوية من عناصر قسد تتبع وزارة الدفاع بدلا من توزيع عناصر قسد على ألوية مختلطة يفقدون فيها تماسكهم، فبقي تسلسل البنية الهرمي و سلاحهم الثقيل والفردي، لكن تم قيده في لوائح أسلحة وزارة الدفاع، ومنحت حكومة دمشق وحكومة أنقرة فرصة الاحتفال بالنصر.
في حالة فنزويلا يتباهى ترامب كل يوم بتحقيق النصر، وهو يعلم أن العملية التي نفذها وحققت له السطوة المعنوية وصورة الابهار والهيبة، لم يتبعها أحد أمرين، اتفاق اقتصادي يضمن الاستحواذ على ملكية النفط الفنزويلي وقيده ضمن ممتلكات الخزينة الأميركية، خصوصا بعدما امتنعت الشركات النفطية الأميركية عن تمويل إنشاء بنى تحتية تتيح استثمار الثروة النفطية الصعبة والمعقدة لفنزويلا، أو تغيير سياسي في بنية النظام، سواء عبر انقلاب أو انشقاق عسكري، او انتفاضة شعبية أو انقسام جغرافي ديمغرافي هم حكومة كاراكاس، وكانت النتيجة الاكتفاء باستخراج كميات تعادل شهريا إنتاج يوم واحد من النفط الأميركي، والاحتفال بالنصر.
في حروب ترامب ونتنياهو المشتركة حرب اشعلاها معا بعد اتفاق غزة غداة دخول ترامب إلى البيت الأبيض، حيث خرج نتنياهو من الاتفاق بتغطية من ترامب، وأطلق ترامب يد نتنياهو بتدمير غزة وابادة سكانها وتجويعهم حتى تحقيق الاستسلام، متعهدا له بتحييد اليمن وقدرته على قصف العمق الاسرائيلي من جهة، وقدرته على إغلاق البحر الأحمر أمام الملاحة نحو موانئ الكيان من جهة أخرى، لكن حرب نتنياهو التي دمرت سمعة أميركا واسرائيل في العالم لم تنجح بانتزاع صك الاستسلام من غزة، فلم يقبل أهلها بالتهجير ولا قبلت مقاومتها بإلقاء السلاح، اما ترامب فلم يصمد أكثر من شهر ونصف في حربه التي اعلن فتح ابواب الجحيم فيها على اليمن، وهرب بحاملات طائراته وسفنه الحربية موقف للنار بلا شروط، بينما بقي اليمن يواصل قصف العمق الاسرائيلي، واقفال البحر الأحمر امام اسرائيل وتجارتها، ورغم ذلك وقف ترامب أمام الكنيست يقول لنتنياهو احتفل بالنصر، باستغلال صورة حجم الضحايا الذين سقطوا في غزة واعتبار قتلهم وتدمير غزة صورة انتصار، رغم عدم تحقيق الأهداف.
ما يواجهه ترامب ونتنياهو في الحرب والتفاوض مع إيران، هو أن الصورة التي رسماها لموازين القوى مبنية على الإبهار الناري والاستخباري، وليس على القدرة على بلوغ أهداف الحروب، ومثال لبنان الذي يتحدث فيه سياسيون كثر عن زمن الترامبية التي تحكم العالم، وعن يد اسرائيل العليا في كل شيء في المنطقة، يقول ما يعرفه عن كثب ترامب ونتنياهو وهو أن كل الإنجازات المبهرة ناريا استخباريا، لم تتح للجيش الاسرائيلي اجتياز العتبة الحدودية مع لبنان ما فرض للذهاب الى وقف اطلاق للنار بعد ستين يوما من المحاولات الفاشلة، وأن استعصاء الحصول على توقيع المقاومة على الاستسلام، وتوقيع الشعب اللبناني في الجنوب على قبول التهجير لإنشاء المنطقة العازلة، ولا يبدو في الأفق أن شيئا سوف يتغير في المدى المنظور والمتوسط.
مع إيران لا تختلف المشكلة من زاوية الأصل، لكن حجمها أكبر بكثير، وقد اطلق ترامب ونتنياهو وعودا ربما يصدقانها، بأن كل شيء سوف يحسم في المنطقة عند الحسم مع إيران، وكلما اقتربت ساعة الحسم المفترض ظهر ان الطريق مليء بالتعقيدات والمخاطر، وأن التداعيات فوق القدرة على الاحتواء والتأقلم، وان انهيارا كبيرا قد يحث وتخرج معه الأمور عن السيطرة، لذلك عندما التقى ترامب ونتنياهو لم يكن لدى أي منهما حلا، من جهة ترامب لا يستطيع أن يقدم عرضا لما ينتج عن الفاوض بصورة تضمن تأييد نتنياهو، ومن جهة مقابلة نتنياهو لا يستطيع تقديم معطيات للتشجيع على خوض الحرب تضمن ثقة ترامب، فيصبح التأجيل حلا وهذا جوهر ما قاله ترامب، دعنا نختبر التفاوض ثم نقرر، وهو يعلم أنه لن يجد في التفاوض ما يريح نتنياهو ويطمئنه، وأن المخاطرة بحرب كان يريد نتنياهو تحييد اسرائيل من تداعياتها بوساطة روسية مع إيران ليست حربا يمكن لنتنياهو أن يقول لترامب انها مضمونة النتائج.
أن تربح الحرب في الإعلام بكمية الخراب والقتل التي ترافق حروبك، شيء مختلف عن ربح الحرب الحقيقية بسحق العدو أو الحصول على توقيع الاستسلام منه.


صباح القدس وسلام القدس لكم وعليكم ونصر الله وبركاته بوركتم وعافاكم الله