كيف يتناول العقل المسطح حروب المقاومة؟ - نقاط على الحروف - ناصر قنديل 11-2-26- البناء
كيف يتناول العقل المسطح حروب المقاومة؟
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
لا ينحصر سوء الفهم لتجارب المقاومة وحروبها في ضوء الحرب الأخيرة عند الذين يدعون لنزع سلاحها ويروجون للتفاوض كخيار استراتيجي دون أن يستطيعوا تقديم أي ضمانة تؤكد صدقية العلاقة بين خيار التفاوض مع كيان الاحتلال برعاية أميركية واي من المصالح الوطنية المتفق عليها ظاهريا، أي انسحاب الاحتلال ووقف الاعتداءات الاسرائيلية والعودة الى اتفاق الهدنة، بما يمنح المشككين بصدق النوايا للتساؤل عما إذا كان دعاة خيار التفاوض، وهم يعلمون أن ما بعد نزع السلاح سوف يكون على الطاولة اتفاق بديل لاتفاق الهدنة والقرار 1701 واتفاق وقف إطلاق النار، ربما لا يمانعون بهذا الاتفاق، اتفاق يمنح اسرائيل مساحة من السيطرة على الجغرافيا اللبنانية بصورة مباشرة تحت شعار منطقة عازلة، ثم مساحة أخرى للسيطرة غير المباشرة تحت شعار المنطقة الأمنية، ثم ضوابط تفرض على الجيش اللبناني في مساحة ثالثة يسمح له بالانتشار فيها تبدأ على الأرجح من شمال نهر الأولي، مع امتيازات اسرائيلية في الأجواء اللبنانية.
النقاش لسوء الفهم لحروب المقاومة يطال كارهي المقاومة وكثير من محبيها، ويطال الذين يؤمنون بخيار التفاوض بديلا للمقاومة ولو على حساب السيادة والحقوق الوطنية، وهو حكما كذلك ولا شيء غير ذلك وهم يعلمون، كما يطال ا كثيرا من الذين يؤمنون بخيار المقاومة ولا يرون غيرها طريقا لصيانة الحقوق الوطنية، وجوهر ما يرتكبه العقل المسطح في قراءته لحروب المقاومة وتجاربها في لبنان، ولا مانع من قراءة المقاومة في فلسطين بذات المنهجية، ينطلق من معادلات رائجة يجري تداولها كمسلمات، مثل الحديث عن المتغيرات الإقليمية والدولية، والحديث عن الاختلال الفاضح الذي أظهرته الحرب الأخيرة في موازين القوى بين المقاومة والاحتلال، والقصد من ترويج هاتين المعادلتين وتقديمهما كمسلمات الايحاء ان ما كان قائما ايام أنجزت المقاومة قد سقط، بعدما ظهر ما لم يكن موجودا في معادلات الحرب، وعند التدقيق نسأل هل المقصود القدرة النارية، وهي ليست عاملا جديدا، ام المقصود هو الاختراقات الأمنية والشواهد على وجودها طيلة مدى الصراع مع الاحتلال لا تنتهي، أم المقصود اغتيال القادة، وتاريخ حركات المقاومة مليء بنماذج القادة الشهداء و غالبهم استشهد اغتيالا؟
يرتكب العقل المسطح خطآن جسيمان من منظور التحليل العلمي، الأول أنه لا يميز بين عناصر القوة الاسرائيلية التي لم تتغير، والقدرة على الاستخدام المفرط والمتوحش لهذه القوة، والسبب السياسي وراء ذلك، والثاني هو عدم التمييز بين حروب مختلفة جوهريا خاضتها المقاومة، حرب تحرير وحرب دفاع وحرب ردع وحرب قلب الطاولة واخلال المعادلات المتصلة بوجود الكيان، والحرب الأخيرة التي خسرتها المقاومة هى ذات الحرب التي تمكن خلالها الاحتلال من استخدام الإفراط والتوحش في مصادر قوته الاستخبارية والنارية، بما يستدعي من أي باحث بعقل ديناميكي غير مسطح ان يربط بين ما يمكن تسميته بالفشل أو الهزيمة أو التراجع، وبين كون هذه الحرب الأخيرة اخترقت القواعد التقليدية للنظام الإقليمي والإطار الدولي الضامن له، وجوهره اعتبار انتهاك الأمن الإسرائيلي في الأراضي المحتلة عام 1948 من المحرمات التي تسقط الممنوعات وترفع القيود على استخدام القوة الإسرائيلية، وهذا التحريم ليس عند الحكومات فقط، بل إن الشعوب في البلاد العربية وفي بلاد المقاومة نفسها ليست جاهزة لتقبل فكرة حرب في أراضي العام 1948، وما فعله طوفان الأقصى وما فعلته جبهة الإسناد هو وضع امن الاحتلال في الأراضي المحتلة عام 1948 تحت النار.
المعلوم أن جبهة الإسناد اللبنانية لم يكن مخططا لها ولا كانت ضمن خطة مشتركة مع الطوفان، بل جاءت استجابة لما فرضه الطوفان من حرب على غزة لا يمكن تخيل توقفها بأقل من سحق المقاومة، وعندها سيكون دور سحق المقاومة في لبنان، والأفضل والأمثل، عدا عن الواجب الأخلاقي بفعل الممكن لمساندة غزة، هو أن تكون المقاومة في لبنان مستنفرة كي لا تؤخذ على غفلة، وهذه احدى وظائف جبهة الإسناد وقد أدته على أفضل ما يكون كما قالت حرب الستين يوما على الجبهة الأمامية، والتي تستدعي ممن يصف نتائج الحرب بالهزيمة او الفشل ان يتمهل لأن الفشل البري الاسرائيلي، رغم بقاء ارجحية اليد الاسرائيلية النارية حقق نوعا من التوازن في الفشل، ومن وجهة نظر المقاومة في فلسطين حول الطوفان أنه محاولة لمنع السير بحرب التصفية المقررة منذ خطة بايدن لخط الهند نحو أوروبا عبر بوابة التطبيع السعودي الاسرائيلي، عبر ضربة استباقية تفتح باب التفاوض نحو هدنة طويلة من بوابة تبادل الأسرى وضمان أمن المسجد الأقصى، أو دفع اميركا واسرائيل الى خوض حرب المواجهة الكبرى دون عنصر المفاجأة، تماما كما كان أسر الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان عام 2006 الذي ردت عليه اسرائيل بالحرب، والحكم على هذه الحرب التي جاءت ردا على الطوفان وجبهة الإسناد، بالنسبة للمقاومة يبنى على معايير أهمها ان الحرب الشمالة رغم حجم التضحيات الهائلة فيها، لم تنجح بفرض التهجير من غزة، ولم تنجح بسحق المقاومة ولا بسحب سلاحها، لكنها حققت لاسرائيل عودة الاحتلال على جزء من غزة وجنوب لبنان، وسطوة نارية واستخبارية لخوض حرب منخفضة الوتيرة ضد المقاومة، لكنها بالمقابل انتجت تحولات تاريخية لصالح القضية الفلسطينية في الرأي العام الغربي بعكس ما اردته حرب التصفية.
يمكن عدم الأخذ بنظرة المقاومة لتقييم الحرب الأخيرة، ولكن لا يمكن انكار انها كانت حربا فتحتها المقاومة من غزة وجنوب لبنان تركزت على ضرب الأمن الإسرائيلي في الأراضي المحتلة عام 1948، وهي تختلف جذريا من هذه الزاوية عن حرب المقاومة الأخرى التي تتعرض لمحاولة اطاحة ما قدمته كنماذج ناجحة، حيث تشن عليها حرب إعلامية قائمة على البلطجة والنصب فقط، والمقاومة خاضت حرب تحرير تكللت بنجاح منقطع النظير حيث فشل التفاوض فشلا ذريعا، فشل اتفاق 17 أيار وحررت المقاومة جنوب لبنان وفشل أوسلو حررت المقاومة غزة، ورفعت المقاومة عن الحدود اللبنانية في حرب تموز 2006 ونجحت في غزة بالدفاع مرات من حرب 2008 الى حرب عام 2014 وعام 2018، وفرضت المقاومة الردع من 2006 الى 2023 ووفرت امنا استراتيجيا استثنائيا للبنان، كما مثل سيف القدس وما بعده امثلة على معادلات الردع التي فرضتها المقاومة في غزة، وهذه الأنواع الثلاثة من الحروب، التحرير والدفاع والردع تمت في ظل ذات موازين القوى والمعادلات الإقليمية والدولية، لكنها تمت تحت سقف التزام المقاومة اللبنانية بحدود لبنان الدولية، والتزام المقاومة الفلسطينية بخوض معركة تحرير وحماية الأراضي المحتلة العام 1967.
الآن بقوة ما أنجزه الاسرائيلي من تفوق مستندا إلى حماية امن الأراضي المحتلة عام 1948، قام بالعودة الى صفة الاحتلال، ومواصلة ممارسة العدوان رغم التزام المقاومة بوقف إطلاق النار في لبنان وغزة، وقد خسر حروبه البرية وخسر المساندة في الرأي العام العالمي، ويأتي دعاة خيار التفاوض بعرض يقول لابد من التنازل عن السيادة، لأن الاحتلال مثلهم عقله مسطح، كلما حقق تفوقا لا يفهم أسبابه ويتخيل انه استعاد قوة شمشون، فيعيد إنتاج أسباب قوة المقاومة كقوة وطنية لبنانية وقوة وطنية فلسطينية، ليس الآن او غدا بالضرورة، بل بعد حين، عندما تظهر ثقافة التفاوض خيار استراتيجي عجزها وبؤسها وتحولها إلى دعوة للتنازل عن السيادة والحقوق الوطنية، وما يجب أن ينتبه إليه كل صاحب عقل غير مسطح ان العوامل التي مكنت المقاومة من الفوز بحرب التحرير وحرب الدفاع ووصولا إلى معادلة الردع قد تمت بهذا التسلسل، وهي عوامل ياقية وعائدة حكما وحتما.

