نفاد الذخائر وهم أم حقيقة؟ - التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل 10-3-26 البناء
نفاد الذخائر وهم أم حقيقة؟
التعليق السياسي - كتب ناصر قنديل
تكشف سلسلة الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ عام 2022 عن مشكلة لم تكن مطروحة بجدية منذ نهاية الحرب الباردة: الفجوة بين سرعة الاستهلاك العسكري وسرعة الإنتاج الصناعي للذخائر المتقدمة. فقبل حرب أوكرانيا كانت تقديرات المخزون الأميركي من أهم صواريخ الدفاع الجوي تشير إلى نحو ثلاثة آلاف إلى ثلاثة آلاف وخمسمئة صاروخ باتريوت، وما يقارب مئتي إلى مائتين وخمسين صاروخ ثاد، ونحو أربعمائة إلى خمسمئة صاروخ من طراز SM-3 البحري. غير أن هذه الأرقام كانت تقترن بمعدلات إنتاج منخفضة نسبياً: ما يقارب مئتي إلى مئتين وخمسين صاروخ باتريوت سنوياً، وأربعين إلى خمسين صاروخ ثاد، وثلاثين إلى أربعين صاروخ SM-3. أي أن الصناعة العسكرية الأميركية كانت مصممة عملياً لإدارة حروب محدودة، لا حروب استنزاف طويلة.
جاءت حرب أوكرانيا لتكشف حجم المشكلة. حيث استنزف الدعم العسكري الغربي لكييف آلاف الصواريخ المضادة للدروع ومنظومات الدفاع الجوي، حتى أن تقارير الكونغرس تحدثت عن أن إعادة بناء بعض المخزونات قد تحتاج خمس سنوات. لكن الضغط لم يتوقف عند هذا الحد. فمع توسع التوتر في الشرق الأوسط بدأت المدمرات الأميركية في البحر الأحمر تطلق صواريخ دفاع جوي بصورة متكررة لاعتراض صواريخ ومسيرات أطلقت من اليمن، في حين كان الجيش الإسرائيلي يستهلك كميات كبيرة من صواريخ الاعتراض في مواجهة الصواريخ القادمة من غزة ولبنان.
بلغ الاستنزاف مرحلة أكثر وضوحاً خلال المواجهة الإيرانية الإسرائيلية في حزيران 2025. ففي تلك الأيام القليلة أطلقت إيران مئات الصواريخ الباليستية، واضطرت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تشغيل شبكة دفاع متعددة الطبقات تشمل باتريوت وثاد وSM-3. وقد تحدثت تقارير لاحقة عن إطلاق أكثر من مئة وخمسين صاروخ ثاد خلال تلك المواجهة وحدها، وهو رقم ضخم إذا ما قورن بإنتاج سنوي لا يتجاوز خمسين صاروخاً.
كشفت الأرقام المتداولة حول مخزون صواريخ الدفاع الجوي الغربية أن الحرب الحالية وضعت هذا المخزون أمام اختبار غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة. فقبل اندلاع هذه الجولة من القتال كانت التقديرات المتداولة في الدراسات العسكرية تشير إلى أن الولايات المتحدة تمتلك مخزوناً عملياتياً يقارب 1200 إلى 1800 صاروخ من طراز باتريوت PAC-3، إضافة إلى نحو 250 إلى 350 صاروخاً من منظومة ثاد، وما يقارب 300 إلى 450 صاروخاً من منظومة SM-3 البحرية المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية في الطبقات العليا من الغلاف الجوي.
أظهرت الأيام العشرة الأولى من الحرب مستوى استهلاك مرتفعاً للغاية. فقد أعلنت بيانات الدفاع في دول الخليج اعتراض 196 صاروخاً باليستياً فوق الإمارات و101 فوق قطر و75 فوق البحرين، أي ما مجموعه 372 صاروخاً باليستياً. ومع إضافة الهجمات التي استهدفت إسرائيل يصبح التقدير الإجمالي للهجمات الباليستية خلال الأيام الأولى بين 700 و800 صاروخ. وبما أن العقيدة الدفاعية تعتمد غالباً إطلاق صاروخين اعتراضيين على الأقل لكل هدف، فإن اعتراض هذه الصواريخ وحدها قد يكون استهلك ما بين 1400 و1600 صاروخ دفاعي. وعند احتساب الصواريخ التي أطلقت ضد الطائرات المسيّرة وصواريخ الكروز يرتفع الاستهلاك التقديري إلى نحو 1700 إلى 2300 صاروخ اعتراض خلال عشرة أيام فقط.
إذا قارنا هذا الرقم بالمخزون المتاح قبل الحرب تتضح الصورة. فالمخزون العملياتي من صواريخ باتريوت كان يقدَّر بين 1200 و1800 صاروخ، وقد يكون استُهلك منه في الأيام العشرة الأولى ما يقارب ألفاً إلى ألف وخمسمئة صاروخ، ما يعني أن المتبقي قد يكون في حدود 300 إلى 700 صاروخ فقط. أما منظومة ثاد، التي كان مخزونها لا يتجاوز 250 إلى 350 صاروخاً، فقد استُخدمت بكثافة في الدفاع عن إسرائيل وبعض دول الخليج، ما يجعل مخزونها المتبقي محدوداً للغاية. وبالنسبة لصواريخ SM-3 البحرية، التي كان المخزون منها يقارب 300 إلى 450 صاروخاً، فإن استخدام 160 إلى 240 صاروخاً خلال الأيام الأولى قد يترك ما بين 120 و290 صاروخاً فقط.
هنا تظهر المفارقة الاستراتيجية الحاسمة. لأن الإنتاج السنوي الأميركي من هذه الصواريخ لا يتجاوز تقريباً 600 صاروخ باتريوت و50 صاروخ ثاد و35 صاروخ SM-3. أي أن عشرة أيام من حرب عالية الكثافة يمكن أن تستهلك ما يعادل سنتين من إنتاج باتريوت، وربما عقداً كاملاً من إنتاج ثاد، ولهذا يصبح السؤال المطروح اليوم رقمياً قبل أن يكون سياسياً: إذا استمرت الحرب عشرة أيام إضافية بنفس مستوى الكثافة الذي شهدته الأيام العشرة الأولى، فإن المخزون المتبقي قد يدخل فعلياً المنطقة الحمراء لنفاد الذخائر الدفاعية المتقدمة. ففي هذه الحالة قد يقترب ما تبقى من صواريخ باتريوت وثاد من حدود لا تسمح بالاستمرار في اعتراض كل هدف.
علينا أن نتوقع تسارع المبادرات السياسية للخروج من الحب ولو تحت غطاء صراخ مرتفع عن تحقيق الأهداف وتجاهل مأزق الذخائر او مأزق مواز يفرضه مضيق هرمز على أسواق الطاقة.

