الدوحة تعيد ترصيد الموازين والخيارات - نقاط على الحروف - ناصر قنديل 1-7-26 البناء
الدوحة تعيد ترصيد الموازين والخيارات
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
يريد البعض القول أن مفاوضات الدوحة تدور حول السعي لقراءة موحدة لنصوص غامضة في مذكرة التفاهم الأميركية الايرانية حول مضيق هرمز وحول لبنان، لكن القراءة المتأنية للمسار الذي بدأ في 17 حزيران تقود إلى استنتاج مختلف. فالقضية لم تعد هرمز ولا لبنان بحد ذاتهما، بل أصبحت سؤالًا واحدًا، هل تلتزم الولايات المتحدة بالنتائج السياسية التي رتبتها مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيسان الأميركي والإيراني، أم تعتبر أن التوقيع مجرد محطة تفتح الباب أمام إعادة التفاوض على مضمونه أثناء التنفيذ؟
هنا تبدأ الحكاية، لا في الدوحة، بل في السابع عشر من حزيران. يومها لم يوقع الرئيسان مذكرة لوقف الحرب فقط، بل وقعا، في القراءة السياسية، على تعريف جديد لملفين كان كل منهما حتى ذلك التاريخ خارج أي تفاهم أميركي إيراني مباشر، أمن مضيق هرمز بصفته مركز أمن الطاقة في العالم و استطرادا مركز ثقل القلق في الاقتصاد العالمي، والحرب في لبنان بصفتها خط التماس الأكثر خطورة بين مشروع اسرائيل الكبرى الذي انطق بعد طوفان الاقصى بدعم اميركي لامحدود في المنطقة كلها من غزة الى لبنان ووصولا إلى سورية، ومقابله قوى محور المقاومة المدعومة من إيران. وجاء مجرد قبول واشنطن بإدراج هذين الملفين في مذكرة تفاهم ثنائية مع طهران يعني أن التعامل مع هذين الملفين لم يعد شأنًا أميركيًا أو إسرائيليًا أو خليجيًا منفصلًا، بل أصبح جزءًا من تفاهم مع إيران.
بعد ثمانية أيام فقط، بدأت الصورة تتغير من دون أن يكون هناك ما تغير في الميدان الذي نتج التفاهم من لهيب النار فيه، في 25 حزيران حط وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو في المنامة، وبدا أن الأولوية الأميركية لم تعد تثبيت ما كرسته المذكرة، بل استنهاض الحلفاء الخليجيين الى مساحة تصادم مع إيران، والقول أن هرمز لن يتحول إلى مجال نفوذ سياسي إيراني، وأن أمن الملاحة سيبقى جزءًا من منظومة تقودها الولايات المتحدة، وأن ما لم يذكر في مذكرة التفاهم حول البرنامج الصاروخي لإيران وطيرانها المسير وعلاقاتها بقوى المقاومة، لا يعني تعديلا في الموقف الأميركي الذي يتماهى مع الموقف الاسرائيلي من هذه العناوين، وعلى دول الخليج أن تكون جزءا من إعادة صياغة مشهد ما بعد مذكرة التفاهم بهدف تغيير قواعدها خلال التنفيذ من بوابة فرض أمر واقع في مضيق هرمز بالاستناد إلى الجغرافيا الخليجية. وبعدها بيوم واحد في 26 حزيران وصل روبيو الى واشنطن لإنقاذ المفاوضات الاسرائيلية اللبنانية المتعثرة، والزام لبنان بنصوص مهينة ومذلة لمفهوم السيادة الوطنية ، وجاء الاتفاق اللبناني الإسرائيلي برعاية أميركية يطرح مقاربة مختلفة لما نصت عليه مذكرة التفاهم للملف اللبناني، قوامها أن معالجة الاحتلال الاسرائيلي في لبنان تتم عبر مسار أميركي لبناني إسرائيلي، بعيدا عن مذكرة التفاهم الأميركي الإيراني، بل ما ينسف مرتكزاتها م حيث الشكل والمضمون.
لم يك ذلك تنفيذًا للمذكرة قطعا، فهل كان بداية إعادة تفسيرها؟ أو محاولة تعديلها، وإذا كانت مذكرة 17 حزيران قد رتبت نتائج سياسية، فهل تستطيع واشنطن أن تستعيد تلك النتائج تدريجيًا أثناء التنفيذ؟ وهل تستطيع أن تفصل هرمز عن التفاهم الذي أعاد فتحه، وأن تفصل لبنان عن التفاهم الذي وضع الحرب فيه ضمن إطار التسوية الإقليمية؟ ومهما حاول البعض القول إن ما يجري مجرد اختلاف في تفسير النصوص أو في ترتيب الأولويات، فإن الوقائع السياسية تؤكد بأن المسألة أعمق من ذلك. فما يبدو مطروحًا ليس تفسير بند أو تعديل آلية، بل إعادة تعريف الدور الذي قبلت الولايات المتحدة، ولو ضمنيًا، بأن تضطلع به إيران في ملفين إقليميين بالغَي الحساسية.
هنا تبدو الدوحة وكأنها تفاوض على ثلاث فرضيات. الفرضية الأولى، وهي التي تدافع عنها إيران، وتقول إن ما وُقع في 17 حزيران يجب أن ينفذ كما هو، لأن التوقيع ليس إعلان نيات، بل مصدر حقوق والتزامات، وإن أي محاولة لإفراغه من نتائجه السياسية تعني نسف الاتفاق من أساسه. والفرضية الثانية، وهي التي توحي بها بعض المواقف الأميركية، وتقوم على الإبقاء على الاتفاق عنوانًا، مع إعادة صياغة نتائجه عمليًا، بحيث يبقى وقف الحرب قائمًا، لكن يعاد تعريف موقع إيران في هرمز، ويعاد إخراج لبنان من الإطار الأميركي الإيراني إلى إطار آخر. أما الفرضية الثالثة، وهي ربما الأكثر واقعية، فتقوم على البحث عن صيغة وسط، لا تلغي الدور الذي كرسته المذكرة لإيران، لكنها تعيد تعريفه وحدوده، بحيث يبقى قائمًا من حيث المبدأ، من دون أن يظهر باعتباره اعترافًا أميركيًا بدور إقليمي دائم.
المفارقة الكبرى بالنسبة إلى إيران، أن المعركة ليست معركة على هرمز أو لبنان فقط، بل على قيمة التوقيع الأميركي نفسه. فإذا قبلت بأن يتحول الاتفاق بعد توقيعه إلى مادة يعاد التفاوض عليها كلما تبدلت الظروف، فإنها تكون قد قبلت عمليًا بأن أي تفاهم مستقبلي مع واشنطن لا قيمة ملزمة له، وأن القوة التي فرضت التوقيع لا تستطيع حماية نتائجه. أما الولايات المتحدة، فإذا كانت تحاول تعديل نتائج الاتفاق، فإنها لا تدافع عن مصلحة وجودية، بل عن تحسين شروط اتفاق سبق أن قبلت به، أو عن تخفيف كلفته السياسية أمام إسرائيل وحلفائها الإقليميين. وهنا يختلف ميزان الإرادات. فالطرف الذي يدافع عن أصل الاتفاق يكون، في العادة، أكثر استعدادًا لتحمل كلفة المواجهة من الطرف الذي يسعى إلى تحسين شروطه.
لهذا، فإن السؤال الذي يواجه واشنطن لا يقل أهمية عن السؤال الذي تواجهه طهران. والسؤال هو إذا كانت إيران مستعدة للعودة إلى ما قبل التفاهم دفاعًا عن مبدأ تنفيذه كما وُقع، فهل الولايات المتحدة مستعدة للعودة إلى احتمالات التصعيد التي دفعتها أصلًا إلى توقيع المذكرة، فقط لكي تعيد تعريف دور إيران في هرمز ولبنان؟ وهذه هي القضية الحقيقية المطروحة في الدوحة. لأن المفاوضات لا تدور، في جوهرها، حول ممر ملاحي أو لجنة إشراف أو صيغة وقف نار، بل حول ما إذا كان توقيع رئيس الولايات المتحدة ينشئ واقعًا سياسيًا جديدًا يجب احترامه، أم يبقى مجرد بداية لجولة جديدة من التفاوض على ما كان يفترض أن يكون قد حُسم بالتوقيع.


أحسنت النشر والقول – سلام غزة و القدس عليكم - العزة والنصر حليف محورالمقاومة وحلفاءها والذلة والعار لمحور الشر وجماعة أبستين (امريكا و بريطانيا وفرنسا وتركيا وقطر والامارات و دول الناتو والنازية الجديدة والماسونية والصهيونية و أسرائيل) وحلفاءه